في إيقاع التصريحات بشأن الأزمة السورية هناك من يعتقد أن رؤية جديدة تتبلور باتجاه الحل، بينما يعتبر آخرون أن الاتفاق الأساسي تم التوصل إليه بين موسكو وواشنطن، وبالتالي فإن المسألة مرتبطة بالتوقيت المناسب، ومهما كانت المؤشرات فهناك على ما يبدو ميل لرسم "تفاؤل" ما في مساحة البحث عن حل الأزمة، وهذا الميل ليس مجرد "أمنيات" سياسية بل تعامل مع نتائج صراع سيطوي العامين بعد شهر ونيف.

على الصعيد الميداني لا يبدو هذا الـ"ميل" يملك أي انعكاس على الواقع، فالتصعيد العسكري ربما لا يعترف بأي ظروف سياسية، في وقت لم تظهر الدول الإقليمية وعلى الأخص تركيا أي ردود فعل تجاه المواقف الجديدة من مسألة الحل السياسي في سورية، فموقفها مازل متطابقا مع مواقف "ائتلاف الدوحة" على سبيل المثال لا الحصر، ويقدم هذا التناقض ما بين "الميل" لخلق تحولات باتجاه الحل السياسي واستمرار العمليات العسكرية بنفس الحدة صورة يمكن قراءتها من خلال نقطتين:

  الأولى هي التحولات الاستراتيجية المطلوبة أمريكيا داخل سورية، فداخل أي عملية سياسية هناك نقطة توازن أمريكية باتت مضمونة على مستوى التواجد على الأقل، فالحوار القادم من سورية أصبح "حوار استراتيجيات" وليس بحثا عن "الديمقراطيات"، والصيغة "الديمقراطية" القادمة ستكون على قياس موقع سورية من قوس الأزمات الذي يبدء من طهران وينتهي في فلسطين، وأي صراع عسكري اليوم داخل سورية لن يغير الكثير من "التحولات الاستراتيجية" وذلك بسبب الموقف الروسي الذي لم يسمح بانتصار مطلق لـ"واشنطن".

لافروف
يدعو الجميع لتقديم رؤيتهم

بالتأكيد فإن واشنطن لا تملك ضمانات مطلقة بشأن "سورية"، وهو ما يدفع للحفاظ على "العامل العسكري" عبر مواقف الدول الإقليمية، فالعمليات العسكرية اليوم وفق المؤشرات على الأقل لم تعد مسألة حسم كامل بالنسبة لواشنطن، وربما علينا الحذر من تقدير الموقف الحالي للإدارة الأمريكية، لأنه في نفس الوقت لا يملك تصورا للأدوار الإقليمية لباقي دول الجوار السوري، فالتداعيات التي فرضتها الأزمة في سورية كانت أعقد من حصرها أو وضعها ضمن إطار واضح في شرق أوسط جديد.

  الثاني عمليات "ربط الملفات" بالأزمة السورية لم تُستكمل بعد، فخلال عامين تم تحريك بعض القضايا وعلى الأخص على المستوى الفلسطيني، وشهدنا تحولا في مستوى العلاقات العربية – الفلسطينية، فانتقلت حماس باتجاه محور مختلف، بينما بقيت كافة المسائل المتعلقة بالتسوية عالقة، في المقابل فإن "الحد" من الدور الإيراني بقي في حدوده الدنيا وبشكل لم يساعد على حل المسائل المرتبطة بملفها النووي أو حتى قدرتها على الانتشار خارج محيطها.

رغم حدة الأزمة في سورية فإن الملفات الإقليمية لم تنهار بالسرعة والدرجة المطلوبتين، الأمر الذي يستدعي إبقاء العنف كحالة تهديد دائم، وهو ما نشهده أيضا في العراق من خلال تحريك بعض الشؤون السياسية الداخلية أو حتى تصعيد العنف، على الأخص أن العراق استطاعت امتلاك تأثير متبادل مع سورية خلال أزمتها.

"الميل" للتفاؤل" يظهر في النهاية بأبعاد دولية ما بين موسكو وواشنطن أكثر من كونه اتفراجات على الصعيد الإقليمي، فالأزمة السورية الحقيقية ربما تبدأ مع طاولة الحوار لأنها "صراع خيارات استراتيجية" أكثر من كونه "تكوين نظام ديمقراطي"، فالولايات المتحدة تملك قناعة اليوم أن الأطراف التي ستسعى لتجديد دور سورية الإقليمي لم تعد تملك من الأوراق الكثير، وأن الأطراف الأخرى التي تريد دولة ديمقراطية ذات سيادة ستضطر للتعامل مع خرق السيادة عبر القروض نتيجة التدمير الممنهج للبنى التحتية في الدولة، لكن خيارات سوريين ستبقى مفتوحة باتجاهات جديدة الأمر الذي سيشكل تحديا للمعارضة أو حتى للسلطة السياسية القائمة اليوم.