JPEG - 21.6 كيلوبايت

دياجونال : أقل من شهر يفصلنا عن موعد الاِنتخابات بالعراق،ما هو تصوركم لنتائج هذه الأخيرة؟هل تعتقدون أن اِنتخاب برلمان وتحرير دستور من شأنه تحقيق اِستقرار البلاد،أو بالعكس إلى تصعيد حدة المقاومة؟

طارق علي:

المقاومة بالعراق تتقوى على مستويين مختلفين.الأول هو مستوى المقاومة المسلحة، وهي مقاومة غير مركزية وموجهة من طرف مجموعات مقاتلين من مختلف التيارات بالبلاد.هي مقاومة جد منظمة ولا تعاني من أية صعوبات فيما يخص تحصيل السلاح،وهي مقاومة تزيد من حرج الاِحتلال وتجعله في وضع لا يسر.اِنه حتى في المنطقة التي تعرف ب" المنطقة الخضراء" والتي يفترض أن تكون أكثر المناطق أمانا،حتى في هذه المنطقة فاِن أمن الدبلوماسيين الغربيين غير مضمون وهذا حتى باعتراف جنرالات التحالف.ومن زاوية أخرى فان أهداف المقاومة لا تعدو أن تكون فقط جنود الاحتلال، بل تتعداه إلى تصفية العناصر العميلة.اِنه تطور نوعي بطريقتهم الخاصة في التحكم بالوضع <<إن هدفنا ليس فقط هو محاربة عناصركم العسكرية، لكن سنقوم أيضا بتصفية كل من يتعامل معكم من العملاء ورجال الأعمال الذين يأتون إلى هنا>>.

أما المستوى الثاني للمقاومة،فهو المقاومة غير المسلحة التي تقودها الأحزاب الدينية الشيعية:حزب السيستاني الأكثر أهمية،وتيار مقتدى الصدر الذي يقود مقاومة سياسية أكثر اِندفاعا.

والفرق الكبير بين المقاومة المسلحة والمقاومة السياسية يتجلى لنا في السؤال التالي: " كيف يمكن أن نعيش اِنتخابات نزيهة في الوقت الذي يعيش فيه بلدنا تحت الاِحتلال ؟ " هذا سؤال جوهري،وسنرى إن كان باِمكان الولايات المتحدة أن تسمح ببروز حكومة تهدد مصالحها؟ والسؤال المهم طرحه هو : هل ستكون عملية الاِنتخاب هذه نزيهة وحرة؟ أعتقد أن هذا مستحيل مادام البلد محتل ،وقوات الاِحتلال وسفارة الولايات المتحدة ببغداد ستؤثران تأثيرا كبيرا وواضحا على بعض الشخصيات،بما فيها شخصيات العرائس التي أوصلتها قوات التحالف إلى الحكم.

لنفرض أن الاِنتخابات ستكون نزيهة بنسبة 50%، فاِنه حتى في هذه الحالة ستكون الولايات المتحدة أمام أزمة.فاِن البرلمان الجديد المنتخب حديثا والذي لا يتمتع بمشروعية تامة،قد يطالب بانسحاب قوات الاِحتلال والتحكم الذاتي في البترول العراقي.وإذا بالمقابل لم يطالب هذا البرلمان بهذا المطلب فاِنه سيفقد مصداقيته أمام الشعب العراقي.

الولايات المتحدة لم تكن قادة على دحر المقاومة المسلحة.لقد حاولوا اختبار القوة على الشعب مع استعمال أساليب التعذيب،وعمليات التدمير كما في الفلوجة واِستخدام للسلاح الكيماوي ضد المقاومة العراقية....لكن دون أن يحققوا نجاحا.إذا أسفرت المقاومة السياسية عن برلمان يطالب باِنسحاب كل قوات التحالف ،فان الولايات المتحدة تصير في وضعية جد صعبة.ومن المهم محاولة التعرف إن كان السيستاني والصدر سيدخلون في مفاوضات مع المقاومة المسلحة بعد حصولهم على أغلبية في البرلمان القادم.أعتقد أن هذا أمر مهم،وإذا لم يفكر فيه تحقيقه العراقيون فان الوضعية ستؤول إلى حالة داخلية مزرية.

دياجونال : ما هي أبعاد هذه الاِنتخابات ؟ هل هناك تدخل حقيقي من طرف إيران؟ إذا كان الجواب نعم،كيف تتصورون نتائج ذلك؟

أعتقد أن الولايات المتحدة تريد توظيف الاِنتخابات، حتى يتسنى لها قول:" انظروا، لقد جعلنا عملية الاِنتخابات ممكنة, قد تم اِنتخاب الحكومة ". هذا ما يخططون له، ويرغبون أن يتكون الحكومة القادمة حكومة موالية، لأنلايات المتحدة.وإذا انسحبوا بعدها فاِن هذه الحكومة لا تمثل بتاتا الشعب العراق، لأنن غالبية العراقيين عارضت الاِحتلال.

أما إذا زوروا الاِنتخابات، ومنعوا المعارضة من الحصول على الأغلبية، فان الوضعية تزداد تدهور ولغير صالح الولايات المتحدة.المجموعات المسلحة في العديد من المدن، وهي تقاطع سلفا الاِنتخابات.الوضعية الحالية صعبة وغير معروفة المصير لا بالنسبة للاِحتلال ولا بالنسبة للمقاومة العراقية.أما بالنسبة للإيرانيين،أعتقد أنهم قد لعبوا دورهم في الكواليس في محاولتهم إيجاد بعض الشيعة من طراز السيستاني والصدر،الطراز الذي لا يقاوم حاليا على الأقل،ويقبل بالاِنتخابات.الإيرانيون يلعبون دورهم وفق ما ينسجم مع مصالحهم.

إذا تم اِنتخاب حكومة دينية بالعراق، سيحاول الإيرانيون توطيد علاقتهم معها، لأن العلاقة المنطقية بين العراق وإيران تقتضي إيجاد سوق مشتركة وأمنا مشتركا.البلدان لهما كثير من القواسم المشتركة بغض النظر عن كون طرف عربي والأخر فارسي.لكن حاليا لا يمكننا الإعراب بيقين عما سيحدث؛ ما يمكننا فعله هو رصد لبعض التوجهات وكيفية تطورها.

دياجونال : كثيرا ما رددتم عبارة أن الولايات المتحدة تريد " بلقنة" العراق،بعرض السنة،الشيعة والأكراد على أنها طوائف ذات مصالح متعارضة.هل تعتقدون أن هذا السيناريو سيحدث بعد الاِنتخابات؟

أعتقد أن هذا الخطر موجود.إذا حاولت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة أن تستخدم الجمعية المنتخبة لمحاربة المقاومة بالقوة،فاِن هذا قد يؤدي إلى صراعات دائمة واِلى تقسيم البلد.اِنه من المقلق أن نستنتج أنه أثناء اِجتياح مدينة الفلوجة،مسئولوا الشيعة ببغداد لم يحركوا ساكنا.كثير من المواطنين العاديين تظاهروا ضد هذا، المساجد الشيعية ساندت المساجد السنية في عملية المساعدات،لكن القادة الشيعيون السيستاني والصدر بقوا صامتين متبنين نهجا يؤسف له. لا يجب أن نتغافل عن أمر مهم، أثناء وجود بلد محكوم من طرف حكم إمبريالي يدعمه الاِحتلال، فاِن ضريبة هذا الحكم هو " سياسة فرق تسد «.ولهذا ساندت الولايات المتحدة في الاِثنا عشر عاما الأخيرة الأكراد،في محاولة لتأليبهم على المجتمع العربي العراقي.والآن يحاولون اِستخدام نفس الخطة مع الشيعة.بلقنة العراق لا نتاج منها إلا تحصيل مشاكل عويصة للعراق،ولا تصب بتاتا في صالح العراقيين.

من ناحية أخرى، إذا نجح التحالف في بلقنة العراق، فاِن هذا الأخير سينقسم إل,ثلاث مناطق: منطقة كردية، وهذا ما ترفضه الحكومة التركية.ثم المنطقة المركزية والمعروفة ب " المثلث السني"، منطقة معارضة لواشنطن، والمنطقة الثالثة هي الجنوب الشيعي الموالي لإيران.على كل حال فان النتيجة لهذا التقسيم وخيمة وسلبية بالنسبة للولايات المتحدة،,عليه نقول أنه لا بلوح في الأفق أي بادرة لتعزيز اِستقرار البلاد لصالح المحتل .قد يسود بعض الهدوء المؤقت خلال الأشهر القليلة التي تلي الاِنتخابات، لكن لا أعتقد أن البلد سيعرف الاِستقرار طالما بقت قوات التحالف المحتل.

دياجونال : فوز بوش في الاِنتخابات الرئاسية عزز السياسة الإمبريالية للولايات المتحدة.هل كان من المحتمل أن نعرف تغييرا في هذه السياسة مع الديمقراطيين؟

أعتقد أننا يجب أن نكون حذرين.الولايات المتحدة قوة إمبريالية.وقبل وصول جورج بوش، كان سلفه بيل كلينتون يعد شخصية جيدة ومرغوب فيها بأوروبا الغربية، حيث تمكن من عقد اتفاقيات تجارية بسرعة معتبرة و تمكن أيضا من جمع الكثيرين حوله إذ كان أكثر ذكاءا من بوش رغم أنه لم يتوانى في دعم الحرب ضد العراق.وقد قدم خصيصا إلى بريطانيا لينقل إلى الوزير الأول طوني بلير،المسئول البريطاني الأكثر دفاعا عن مشروعية الحرب على العراق.

عندما تكون المصالح الإمبريالية في خطر،يتوحد الديمقراطيون والجمهوريون،وعن وجهة نظري الشخصية أتصور أن بوش يجب أن يحارب ليس فقط لأننا عندنا آمال في جون كيري،ولكن لأنه يجب تحييد كل المسئولين السائرين بشعوبهم إلى عالم الحروب.لقد كررت هذا النداء عدة مرات " أزنار خسر في اسبانيا، فحاربوا إذن بوش فان هذا سيخلق وضعية جديدة جد حسنة.الناس يعتقدون أن المجتمع أن شعب الولايات المتحدة ضد بوش، ولأول مرة في تاريخ هذا البلد يحاول هذا الشعب ترجيح الكفة لصالح كيري على أساس المصلحة من الحرب ".

لكن بوش حمل معه هذه الحرب، لهذا أعتقد أن نصره كان نكسة للحركات المناه، والتيرب ولكل معارضي المشروع الإمبريالي، لكن هذا لا يعني أن الذريعة لكي ننهار معنويا ونقف دون جدوى أمام هذا كله.يجب أن نعمل على تشكيل الحركة المناهضة للحرب والتي كانت جد قوية من قب، والتيي اختفت بعد الحرب على العراق،وأتصور أن هذه الحركة يجب أن تخلق من جديد كحركة مناهضة للاحتلال.

دياجونال :التظاهرات والمسيرات الدولية التي سبقت الحرب لم تتمكن من إيقاف الحرب،كيف في نظركم يمكن التصدي وبشكل فعال للحرب في المستقبل؟

كنت ولا زلت أردد أن الحركة المناهضة للحرب كانت تمثل شريحة كبيرة من الناس، وليس بالضرورة من اليسار.بل هناك بشر عاديون رفضوا تصديق الأكاذيب التي روج لها القادة السياسيون الذين حاولوا تبرير دوافع الحرب المرتقبة.وموقف الشعوب هذا يعني أيضا لم كن ساذجة ومغفلة،وقد تحركت بعفوية قائلة " اذا نزلنا إلى الشارع بأعداد كبيرة فقد نوقف الحرب ".والحقيقة أننا لم نستطع إيقاف الحرب، لكننا خيبنا أمل من كان يعتقد أننا لن نحرك ساكنا.وعن رأيي الشخصي فلم أتصور يوما أننا يمكننا وقف الحرب،وعندما كان الناس يسألونني " ماهو السبيل لوقف الحرب؟ كنت أجيبهم : خسارة طوني بلير في البرلمان،ورفض قوات الولايات المتحدة الذهاب إلى الحرب " هذا في تصوري السبيل الوحيد،لأن بوش كان قد صمم على حمل الحرب دون هوادة مدفوعا بحاشية معينة من المستشارين.

يجب أن نتخطى هذا الإخفاق عن طريق المتبعة الإعلامية لما يجري بالعراق،وتشكيل الرأي الدولي عن طريق نشاطات مجموعات صغيرة كما في ايطاليا وبريطانيا.وأعتقد أنه من المهم أن يتحرك الرأي العام إلى الشارع.لكن يجب أن نذهب إلى ابعد من هذا.يمكننا أن ننظم أ، فليس من أجل محاربة شركات الولايات المتحدة ومقاطعة منتجاتها.في الحالة الراهنة كل واحد منا يجب أن يفكر في هذ، فليسس كافيا أن نتظاهر،لكن من المهم أن نواصل التظاهر لأن هذا أمر مهم.أعتقد في اسبانيا أن المظاهرات قد لعبت دورا كبيرا في إزاحة أزنار من السلطة.لا يجب أن ننسى هذا.

دياجونال :هل نشهد لعصر استعماري،حيث يشكل فيه العراق حصان طروادة للولايات المتحدة؟

أتمنى أن يسبب العراق نكسة أخرى، لكن لنكن واقعيين، أتصور أنه لا يمكن هزيمة الولايات المتحدة عسكريا حاليا باعتبارها القوة العسكرية الأولى بالعالم، لأن خسارتهم لم تحدث إلا مرة واحدة على يد الفيتناميين في القرن العشرين.فالخسارة العسكرية إذن تكاد تكون مستحيلة، بينما يبدو جد ممكنا أن يواجهوا بخسارة سياسية تعمل على تحقيقها المقاومة العراقية.

عدم تمكن الولايات المتحدة من خوصصة الاقتصاد العراقي لصالحها فستكون مجبرة على سحب قواتها،وهذا في حد ذاته نجاح.لأنهم اذا انسحبوا بعد أن يخضعوا البلد واقتصاده إلى مصالحهم وبعد أن يثبتوا حكومة موالية للغرب في بغداد،فان هذه هي الخسارة الكبيرة لنا وان تسمى البلد بشعارات الحرية والديمقراطية. وعما إذا كان من المهم التعرف على وجه أخر لإمبريالية الولايات المتحدة،فالجواب : نعم ،فقد تسببوا في مخاطر جمة ولا أحد يعلم كيف ستنتهي. اذا لحقت بهم خسارة سياسية كبيرة فهذا سيدفعهم إلى إعادة التفكير في استراتيجيتهم،وهذا من شأنه أن يشجع قوى الشرق الأقصى و خصوصا : الصين،اليابان و كوريا الموحدة.... وهذا ما يخشونه فعلا.

إمبريالية الولايات المتحدة لم تتوقف يوما، فالبعض اعتقد أنه مع انهيار الشيوعية وزوال الاتحاد السوفييتي فاِن الولايات المتحدة لم تعد دولة إمبريالية, هذا ليس صحيحا.كانوا ولا يزالون بلدا إمبرياليا، وعندما قرروا غزو العراق فقد حاولوا بالأساس أن يبسطوا نفوذهم على المستوى العالمي.وبروز ظاهرة المقاومة العراقية ي، وهيحجر عثرة في وجه هذه المطامح بعد أن تصوروا أنهم سيعيشون في عالم لا يمكن فيه مقاومتهم.الإمبريالية تولد دائما المقاوم، وهيي رسالة يجب أن يعيها الأوروبيون جيدا.أريد أن أقول من هذا أنه إذا تواصل هذا السلوك الإمبريالي فسنشهد بروز العديد من الحركات المقاومة في مناطق أخرى من العالم.

دياجونال: ماهي تصوراتكم لتطورات الوضع في الشرق الأوسط بعد غزو العراق؟

لقد مضى حتى الآن حوالي اثنا عشر أو ثلاث عشر سنة على تفاقم مشكلتين رئيستين في الشرق الأوسط.الأول هو اِحتلال فلسطين من قبل إسرائيل،والثاني هو اِحتلال العراق أو بعض مناطق من العراق من طرف الولايات المتحدة، ناهيك عن عمليات التدمير والقمع.الغرب استعد لخوض هذه الحرب ضد شعوب العالم العربي، بيد أن الوعي التحرري الغربي يحد نفسه أعمى أمام معاناة الفلسطينين.كل يوم يقوم الإسرائيليون بانتهاكات فظيعة ضد الأطفال الفلسطينيين،ويعاملون العرب وكأنهم بشر من الدرجة الثانية ويجب إعطائهم الدروس،والغرب يقف مكتوف اليدين.وعندنا اليوم ثقافة كبيرة عن حقوق الإنسان لكن ليس لصالح من أجل الفلسطينيين.

الغرب لا يجرؤ على مهاجمة إسرائيل،أما إسرائيل فلا تتردد في مساومة أوروبا طول الوقت على ما حدث أثناء الحرب العالمية الثانية.الفلسطينيون ليسوا مسئولين عن الاِبادة التي تعرض لها اليهود أثناء هذه الحرب،بل بالعكس لقد صاروا هم الضحية من كل هذا.ولهذا أعتقد أنه طالما بقت فلسطين والعراق محتلين،فلن تشهد منطقة الشرق الأوسط سلاما.وبقد ما تفهم الولايات المتحدة هذا بقدر ما تتحسن الأمور،وإذا كانوا يرغبون فعلا في نشر الديمقراطية،فلما لم يفعلوا ذلك مع المملكة العربية السعودية التي يتحكمون فيها منذ 1945؟

JPEG - 24.7 كيلوبايت

دياجونال:ماهو مستقبل دور الأمم المتحدة؟هل يمكن أن تمثل من جديد راعي القانون الدولي؟

أعتقد أن الأمم المتحدة تمثل الوجه السياسي لمنظمة التجارة الدولية و صندوق النقد الدولي.وهي مسيرة بالأساس من طرف الولايات المتحدة،على الرغم من أنها تعارض أحيانا واشنطن مثل ما فعلت أثناء حرب العراق.وهذا ما يشرح موقف مجلس الأمن من اِعترافه بالاِحتلال والنظام الحالي الوهمي.شخصيا لا أحمل الأمم المتحدة محمل الجد، لأنها مسيرة من طرف النظام الإمبريالي الوحيد في العالم.هذه الهيئة لم تستطع فعل شيء أثناء حرب فيتنام، ولا أثناء غزو السوفييت لتشيكوسلوفاكيا....ولما أقول هذا، الناس ينفعلون لأنهم يتوهمون أشياء بعيدة كل البعد عن الحقيقة.لأنهم يحملون تصورا عما يجب أن تكون عليه هذه الهيئة من مفاهيم طوباوية.فخذ مثلا الأمين العام للأمم المتحدة لا بمكنه أن يعين إذا لم توافق عليه الولايات المتحدة،ومعناه أن الأمين العام لا يعدو أن يكون خادما للبيت الأبيض.

دياجونال:ماهو دور أوروبا في مشروع الولايات المتحدة الإمبريالي؟

هذا موضوع مهم.الأوروبيون إلى الآن عجزوا عن تشكيل كيان سياسي،لأنهم بكل صراحة منقسمين،وأعتقد أن الجنرال ديغول زعيم اليمين الفرنسي الشهير،حينما قال لشعبه و للألمان : " اذا أردنا أن نشكل أوروبا قوية،فعلينا أن نتخلص من المملكة البريطانية المتحدة،لأنها ستبقى دوما حصان طروادة للولايات المتحدة"،وهذا ما حدث بالفعل.ما أريد أن أقوله أن الأوربيين منقسمين على أنفسهم،الألمان والفرنسيون لهم نفس المسار،وبلير يفعل ما يشاء،مدافعا لذلك عن مصالح الولايات المتحدة في أوروبا.

والآن مع توسيع الاِتحاد الأوروبي، فاِنه من المهم أن نتساءل عن طبيعة هذه الدول التي تضاف إلى الاتحاد؟ اِقتصاديا وسياسيا هذه الدول ما هي إلا تكريسا لمصالح الو، لكنت المتحدة بأوروبا، ويكفي فقط تحليل مواقفها من الحرب على العراق لمعرفة ذلك، وطبعا هي مواقف مناقضة تماما لمواقف شعوبها.والألمان اليوم يتحكمون في تشكوسلوفاكيا اقتصاديا وسياسي، لكنن الولايات المتحدة تتحكم فيها إيديولوجيا.

وأعتقد أيضا أن أسلوب عمل أوروبا مشكلة في ذاته.فهي غير قادة على وقف على وقف الحرب،وسرعان ما هنأ الرئيسان شيراك وشرويدر الرئيس جورج بوش.والمسئول الأوروبي الوحيد الذي هاجم بلير،كان الوزير الأول خوسي لويس زباتيرو،بعد اِنتخابه.لقد دهشت! فلقد كان المسئول الأوروبي الوحيد الذي قال أن بوش وبلير قد كذبا.هذا أمر غير اعتيادي في اسبانيا،لأن كل من خوسي ماري أزنار،فيليب غونزاليس وخافير سولانا كانوا منخرطين مئة بالمئة في حلف الناتو.ويكفي أن نقف مع سولانا الذي قال يوما : إن حلف الناتو عليه أن لا يدمج في عضويته اسبانيا،ثم صار من الغد أمينا عاما لهذا الحلف.إن هذه (الدعارة) التي يمارسها سياسيو الديمقراطية الاجتماعية لا شك لها ثمن.والناس قد ملوا من هذه الطريقة في ممارسة السياسة.

أن نجد موقفا أوروبيا موحدا ليس أمرا واردا الآن، لكن لا يساورنا الشك في أن باريس وبرلين في علاقة جيدة مع واشنطن.فرنسا وألمانيا لم تعارضا الولايات المتحدة، لكنهما أعربتا عن سخطهما، فقد كانت مصالحهما متعارضة مع الحرب لأن كلا الدولتين كانت لهما علاقات اقتصادية مع العراق، وخصوصا فيما يتعلق بالبترول.ماقد يفسر عدم اكتراثهما بالحرب.

لكن هاتين الدولتين تبدوان عاجزتين وجد ضعيفتين.والميثاق الأوروبي الذي سيصادق عليه ،ماهو في الحقيقة إلا نص دون مضمون،ولا يحمل في طياته الكثير من التغيير.هذه الوضعية ليست جيدة أمام أفق تشكيل هوية أوروبية وكيان سياسي أوروبي قوي.أعتقد أن الكثير من الأشخاص بدأوا يلحظون هذا.لا أعتقد أن أوروبا اليوم تشكل منقذا في الوقت الراهن،أو بالأحرى أقول أن المشروع الأوروبي في مأزق.

دياجونال:هذا البديل الأوروبي الذي تتحدثون عنه،ألا يمكن أن يتحول إلى مشروع إمبريالي؟

النمو الاِقتصادي لهذه القارة يسير في هذا الاِتجاه، وهذا خطر كبير، لكني من أجل ، ومابا غير إمبريالية.ما نريده هو إحباط الولايات المتحدة، لأنه لما تتشكل قوة منافسة لهم، يمكننا أن نعيش، ويمكن للحركات الناشئة أن تتطور، وهذا قد بدأ يتحقق من قبل.واليوم كل شكل من أشكال المعارضة هو أمر مجد حتى بالنسبة للثلاثين أو الأربعين سنة القادم، وماا يجب فعله هو خلق المجال لهذا فقط..

دياجونال:في كتابكم " بوش في بابل" دعوتم إلى تشكيل رابطة دولية مناهضة للإمبريالية من داخل المنتدى الاِجتماعي الأوروبي.ماهو واقع هذا الاِقتراح؟

اِقتراحي كان يقصد مباشرة الولايات المتحدة.ومن الواضح أن خوض معركة سياسية ضد الإمبراطورية ليس بالأمر الهين.وعلينا أن لا نفقد الآمال في شعوبنا.الولايات المتحدة صوتت لصالح بوش، وكان هناك ثلاثة ملايين صوت إضافي هذه المرة، غير أن أقلية مهمة عارضت سياسته.وعلى صعيد آخر فقد لاقت حركة مناهضة الحرب في الولايات المتحدة صدى واسعا.وبالطبع حتى تؤتي هذه المعركة أكلها،يحب أن تكون على مستو عالمي.

وبهذا الخصوص، فان القارة الأكثر معارضة للولايات المتحدة هي أمريكا اللاتينية.هناك نجد حركات اِجتماعية مناهضة معتبرة.نجد هوغو شافيز في فنزويلا،والذي كان يوصف على أنه دكتاتورا،فقد تم اِنتخابه بأغلبية معتبرة وهامة حتى أكثر من الأغلبية التي يحصل عليها السياسيون الغربيون.فنزويلا البلد الوحيد الذي فيه يتحرك الفقراء من أجل نصرة حكوماتهم ومساعدتها.لهذا هناك تجارب جيدة يمكن أن تثري اِيجابيا.

الولايات المتحدة حاولت قلب هذا النظام أكثر من مرة، المرة الأولى عن طريق اِنقلاب عسكري، والمرة الثانية عن طريق دعم مراكز القوى الاِقتصادية والثقافية والاِجتماعية بالبلاد من أجل إطلاق إضراب.والمرة الثالثة كان عن طريق الاِستفتاء.وكل هذه المحاولات باءت بالفشل.وعندما أقرأ لبعض السذج وهم يكتبون في الصحيفة الاِسبانية " الباييس" أن شافيز دكتاتور،أقول في نفسي: في أي عالم أعيش؟

كون شافيز عسكري سابق،هذا لا يجعل منه بالضرورة دكتاتوريا،مادام انه قد انتخب. وكثير من الرؤساء الأمريكان ينحدرون من الجيش.بل حتى الولايات المتحدة قد عرفت كثير من الرؤساء المنحدرين من المؤسسة العسكرية، كما في كثير من دول العالم.ومعارضة شافيز لا تأتي من كونه معارضا للديمقراطية،فان نظامه أكثر ديمقراطية من كثير من الأنظمة،لأنه سمح بوجود العديد من وسائل الإعلام الخاصة المعارضة له.أي بلد يسمح بهذا؟ اسبانيا؟ لا.طوني بلير؟ الوزير البريطاني الأول الذي كمم فم إدارة ال "بي بي سي"،لأنها أخبرت بوجود مظاهرات معارضة للحرب.

هناك كثير من الدروس التي يمكن الإفادة منها في فنزويلا اليوم، و أعتقد أن هناك توجهين متعارضين في أمريكا اللاتينية بين أسلوب الرئيس " لولا" في البرازيل،وبين شافيز في فنزويلا.هذا هو الجدل الحقيقي." لولا" تصرف مثل خافير سولانا وفيليب غونزاليس،أس وفق رغبة واشنطن،وقبل كل مقترحات صندوق النقد الدولي.لهذا السبب يفقد الكثير من شعبيته في بعض البلديات مثل " صاو بولو" و " بورتو آليجري".وبهذا أتصور أن الجدل الحقيقي قد بدأ فعلا في أمريكا اللاتينية.

دياجونال:ما رأيكم في اِقتراح الرئيس الاِسباني " رودريجيز زاباتيرو" في دعوته الأمم المتحدة لتشكيل "تحالف الحضارات"؟

يبدو لي مهما معارضة طرح " صدام الحضارات" الذي نظر له صموئيل هانتنغتون وآخرون.وقد عارضت ذلك في كتابي " صراع الأصوليين".أتصور تماما أن السياسيين الأوروبيين يحاولون تشكيل نوع من تحالف الحضارات، لكن الحقيقة أبسط من ذلك: " لو لم يكن هناك بترول بالأراضي الإسلامية، فلن نجد مجالا للصراع ".فالحديث إذن لا يجري عن صراع بين الحضارات أو بين الأديان، والصراع هنا يستفزه التصادم حول الجوانب الجغرافية والاِقتصادية، والبترول في العالم يقع على الأرض الإسلامية.ولو كانت دول الشرق الأوسط "بوذية"،لكان الصراع ضد البوذية، ولو كانت " مزدكية"،لكان الصراع ضد المزدكية.أعتقد أنه يجب أن نفكك الجدل الدائر حول صراع الحضارات،وأن نكشف ما يختبىء وراء " الدفاع عن المصالح الغربية" .


حوار معد من طرف مراسلة صحيفة " دياجونال" غلاديس مارتينيز لوبيز.


ترجمه خصيصا لشبكة فولتير: رامي جميع الحقوق محفوظة 2005©