JPEG - 13.6 كيلوبايت
هنري.ج.هايد: رئيس لجنة العلاقات الدولية لغرفة الممثلين.

ولم تتوانى ادارة بوش يوما ما في التذكير عبر مراسليها المحافظين الجدد، أنها لا تفهم لماذا يجب عليها أن تنصاع للقانون الدولي، مادامت وحدها كدولة قادرة على اتخاذ القرارات باعتبار أن العالم صار وحيد القطب، وأن واشنطن هي مركزه. وقانون الأقوى ليس أمرا سيئا عندما نكون نحن الأقوياء وعندما نتصور أننا مباركين من طرف الرب.

وبعد أن كانت وضعت الأمين العام للأمم المتحدة تحت التنصت [1]، وبعد أن كذبت أمام مجلس الأمن  [2] ، وبعد أن انتهكت القانون الدولي بحربها على العراق [3]، فهي الآن تحضر لمشروع تدمير تام لهيئة الأمم المتحدة.

وتعتبر هيئة "Move America Forward"، والمكونة من الجمهوريين المقربين من ادارة بوش، كانت هذه الهيئة قد أطلقت جملة من الحملات التشهيرية على القنوات التلفزية الأمريكية، من أجل حجب المصداقية عن المنظمة الدولية، وذلك بتصويرهم على أن موظفيها هم من مناصري الارهاب وأعداء الولايات المتحدة. [4] وقد وصل بهذه المنظمة الحد الى طلب اقفال مقر الأمم المتحدة الكائن بنيويورك، وطرد المنظمة بطاقمها.

وفي نفس السياق، عين بوش سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة "جون بولتون". [5] وقد عرف هذا "السياسي" بكونه من طالب علنا من أجل انهاء مهمة الأمم المتحدة، هذه المنظمة التي تعرقل مبادرات الولايات المتحدة على حد تعبيره. وقد كان هذا التعيين مثيرا للجدل في الأوساط السياسية وحتى بين الجمهوريين أنفسهم، غير أن منظمة "Move America Forward" تبنت كل طروحاته والتي أكدها من بعد مجلس الشيوخ.

والكونغرس من ناحيته غير بعيد عن هذه التحركات، ففي ديسمبر 2004، كان هذا الأخير قد صوت على ميزانية قدرها 1.5مليون دولار، لصالح المعهد الأمريكي للسلام(USIP)، من أجل إنشاء مجموعة عمل مكلفة بتحضير تقرير عن مهام هيئة الأمم المتحدة. القانون المصوت عليه، يشير تحديدا ان البرلمانيين قد اتخذوا هذا الاجراء لأنهم "جد متأسفين من عدم فعالية نشاط هيئة الأمم المتحدة على كثير من المستويات، خصوصا ما يتعلق بأزمة دارفور، وبتداعيات أزمة الرشوة المحيطة ببرنامج النفط مقابل الغذاء" [6]. والمجموعة المكلفة بتحضير تقرير نهائي عن هذه المواضيع في الأيام المقبلة، يترأسها بالتعاون بين كل من الجمهوري نيوت جينغريش ، والديمقراطي جورج ميتشل. وهي تضم العشرات من الأعضاء من بينهم جيمس ووزلي، والجنرال ويزلي كلارك ، الى جانب العديد من الخبراء المعينين من اللجان الفكرية الرئيسة الست.  [7]

وبعيدا عن هذا التحرك، وفي سياق متصل، كان هنري هايد، رئيس لجنة العلاقات الدولية بغرفة النواب، قد اقترح مشروع قانون، وطبعا هو قانون لا ينمي عن مبادرة شخصية على حد توصيف الصحافة الأمريكية، وهذا القانون يعكس
-  حسب معلوماتنا – رؤية مجموعة العمل المنشأة على مستوى المعهد الأمريكي للسلام، والذي يسيطر عليه الجمهوريون. هذه الرؤية التي قد لا يحملها كل الأعضاء بهذه المجموعة أمثال "ادورين فولنر" رئيس ما يعرف بهيئة المواريث "Heritage Foundation [8]

وقد أثار هذا القانون جدلا واسعا داخل قاعات غرفة النواب يوم 19 ماي 2005. وأثناء النقاشات، أشار هنري هايد الى أن العالم كله بمن فيه المدافعين عن الأمم المتحدة، يجمعون اليوم على ضرورة اجراء اصلاحات داخل المنظمة، والتي يراها ضرورية حسبه. ومعربا عن تعلقه بهذه المنظمة، لم يغفل هنري هايد عن انتقادها ووصفها بأنها قد صارت مجرد منظمة لمحاربة الرشوة، ولم يخفي أيضا اعتباره أن المنظمة تشكل فعلا عائقا كبيرا أمام الانتهاكات الأمريكية المتكررة.

مقترح السيد هايد طرح على شكل انذار محدود الأجل، وهو يطالب بانشاء 38 فرع اداري ، ويشترط أنه اذا لم يتم تفعيل 32 منها،فان الولايات المتحدة ستضطر الى وقف دفع نصف مستحقاتها للمنظمة الدولية،( رغم أن هذه المستحقات تدفع بموجب الاتفاقيات الدولية)، كما هددت بالانسحاب من كل مبادرة تدعم تثبيت الأمن والاستقرار. باختصار، المنظمة الدولية مدعوة إما إلى " الخضوع أو الاستقالة ".

وتساهم الولايات المتحدة بمستحقات قدرها 439 مليون دولار إلى المنظمة الدولية، أي بنسبة 22% من ميزانية الأمم المتحدة. ومن أجل ردعها، وقد اختار البرلمانيون هذه المرة وسيلة التهديد بإغلاق الموارد المالية. وحجتهم في ذلك هو أن مستحقاتهم للمنظمة الدولية يجب أن توجه فقط لدعم المبادرات التي تدعمها الولايات المتحدة، كما يشترطون تفكيك ال 18 برنامجا وهيئة أممية ذات كفاءة، مع الموافقة على ابقائها على شكل هيئات تطوعية تحدد كل دولة ما يلزمها منها. وزيادة على هذا يشتركون على المنظمة أن لا تغير ميزانيتها خلال العام إلا باجماع من كل الدول الأعضاء وحسب الآجال المحددة.

ومعتبرا أن الأمم المتحدة غارقة في الرشوة ومسيرة أسوأ تسيير، يشترط السيد هايد إنشاء مكتب جديد مستقل للإصغاءIndependant Oversight Board – IOB،الى جانب المكتب الأخلاقي والذي يسهر حسبه على مراقبة الصراعات بين موظفي المنظمة الدولية ومصالحهم. وبطريقة متكررة، يعاود الجمهوريون تذكيرهم بأن الدول الأخرى الأكثر فقرا والعضو في الأمم المتحدة لا تساهم في ميزانية المنظمة الا بمقدار 1% من الميزانية الكلية، مع أنها تملك صوتا مستقلا لكل دولة منها. و هنا يبدو لهم غير مقبول أن يساهموا في برنامج تقرره دول أخرى. وهو موقف يعكس مدى التجسيد لمبدأ المساواة بين الدول الأعضاء من جهة، ورغبة في تأسيس اجراءات التصويت على أساس ما يدفع للمنظمة من مستحقات.

ويرتكز مقترح هنري هايد بالأساس على ثلاث محاور رئيسة :

- على الرغم من أن الولايات المتحدة تعد أحد الموقعين على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فهي لم توقع على النصوص الملحقة والمضافة الى هذا الإعلان والخاصة بالحقوق المدنية،السياسية، الثقافية والاجتماعية. وعلى هذا الأساس فبرلمانيو الولايات المتحدة يرون أنه لا لجنة حقوق الإنسان بجنيف، ولا المفوضية السامية لهما الحق في انتقاد (بلد الحريات)، أو توجيه اللوم الى (دول خارجة عن القانون). هؤلاء يشترطون أن تكون الدول التي لا تساهم بفعالية في المنظمة، أن لا تكون ممثلة بشكل كبير. لكم من له الجرأة في أن يقول للولايات المتحدة أنها من أكثر الدول انتقادا من قبل المجتمع الدولي بالنظر الى تسجليها للرقم القياسي العالمي في مجال انتهاك حقوق الإنسان في مراكز تجميع المساجين بغوانتانامو.

- آخذين بعين الاعتبار أن اللجنة الدولية للطاقة الذرية، كانت قد صمدت أمام ضغوطاتهم قبيل الحرب على العراق، ولا زالت صامدة أمام أي محاولة للمغامرة مع إيران هذه المرة، وأمام كل هذا يحاول البرلمانيون الأمريكان تنحية الشرعية عن لجنة الحكومات، وإحالتها الى لجنة خبراء يمكن التأثير والضغط عليهم مثل ما فعل ما لجنة الخبراء المكلفة بنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، وبالتالي يضعون اليد كاملة على أجهزة الشرطة الدولية.

على كل حال، خلف الكثير من هذه التأكيدات، لم يتوانى السيد هايد على تمرير بعض الأفكار الجديدة. كما حاول تحقيق بعض التوازنات بين إسرائيل والوفد الممثل لفلسطين. وهو هنا يشترط وقف الدعم المالي عن لجنة حقوق الفلسطينيين، عن لجنة تجسيد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني [9]، عن المنسق الخاص لمنطقة الشرق الأوسط وكذا المنظمات غير الحكومية المعنية. والأدهى من ذلك أيضا أن السيد هايد طالب أن تعتبر إسرائيل جزءا من الغرب وليس من الشرق الأوسط، في إشارة منه إلى ربط هذه الدولة بالأوروبيين والولايات المتحدة.

JPEG - 5.9 كيلوبايت
ايلينا روس لوثينان

ولا يكتمل المشهد الدائر على أروقة الأمم المتحدة، إلا بالتعريج على آخر المستجدات المتعلقة بها، فقد اقترحت السيدة ايلينا روس لوثينان ، مسودة قانون يكمل مقترحات السيد هايد. وفحوى هذا القانون أنه يتعين على البرلمانيين اقصاء كل دولة من محفل الأمم المتحدة، اذا تبين أن هذه الدولة تقود ممارسات معادية لاسرائيل داخل المنظمة، كما يدعو القانون أيضا الى فرض مزيد من القيود على المساهمات المالية لهذه الدولة أو تلك.

وتبدو جلية اليوم، ان المزايدات التي يمارسها برلمانيو الولايات المتحدة، تهدد وظيفة وعمل المنظمة الدولية كما تهدد حتى موظفي هذه المنظمة. اذ يبدو لبعض هؤلاء الموظفين أن الأمر قد يحتم به الى مداهنة الحقائق من أجل الحفاظ على المصالح. وبالتالي يبدو جليا مصدر الخلل، والذي ليس منبعه المنظمات الدولية، ولكن الدول الأعضاء بها. ولا أحد يمكنه تحييد الضغوطات التي تمارسها الولايات المتحدة، مادامت هذه الأخيرة هي التي تعود لها الكلمة الفصل في تحديد ميزانية الأمم المتحدة.

ترجمه خصيصا لشبكة فولتير: رامي جميع الحقوق محفوظة 2005©

[1] "واشنطن ولندن تضعان الأمم المتحدة تحت التنصت" بقلم توم سان بيير – فولتيرن 4 مارس 2003.

[2] "خطاب كولن باول أمام مجلس الأمن" بتاريخ 5 فبراير 2003.

[3] " من يحكم العراق" بقلم تييري ميسان - فولتير،13 ماي 2004.

[4] " من يريد أن يدمر الأمم المتحدة غير الولايات المتحدة؟" - فولتير 23 نوفمبر 2004.

[5] " جون بولتون وعملية نزح الأسلحة" – فولتير 30 نوفمبر 2004.

[6] « The conferees are deeply troubled by the inaction of the United Nationson many fronts, especially in regard to the genocide in Darfur, Sudan and the allegations of corruption regarding the Unites Nations oil-for-Food program ». Public Law 108-447.

[7] يجري الحديث عن كل من ال:American Enterprise Institute, Brookings Institution, Center for Strategic and International Studies, Council on Foreign Relations, Heritage Foundation و Hoover Institution.

[8] 8 عن هذه الهيئة، يرجى مطالعة Fondation Heritage, on se reportera à The United Nations Reform Act of 2005 : A Powerful Lever to Advance U.N. Reform par Brett D. Schaeffer, WebMemo #759, Heritage Foundation,10جوان 2005 .

[9] أنشئت هذه اللجنة من أجل مراعاة حق العودة للفلسطينيين. وهذا الحق يعني بالنسبة لهم ليس بالضرورة عودة الفلسطينيين كأشخاص، بل مع وجود احتمال تعويضهم ماديا عن ممتلكاتهم وأراضيهم.