في انتخابات الشمال تأكدت التوقعات: الأكثرية الديموغرافية، في كل دائرة، هي أكثرية نيابية. لا شذوذ عن هذه القاعدة في لبنان. بات يمكن لإخراج القيد أن يحل محل بطاقة الانتساب إلى حزب سياسي. وتأكدت، أيضاً، المخاوف: انشطار التصويت، في كل دائرة، حسب خطوط الانقسام الطائفي، أو أقرب ما يكون إليها. إن لبنان، اليوم، هو <<بعبدا عاليه>> مكبّرة.

تشكَّلَ التصويت المسيحي في الشمال من لقاء تيارين. تيار العماد ميشال عون القادم من التهميش، وتيار سليمان فرنجية الخائف من التهميش. صب الرافدان في مجرى واحد: رفض الوصاية الداخلية التي ظهر جلياً أن هناك مَن يرغب فيها لأنه يريد حرمان عون من قطف ثمرات اعتراضه على الوصاية السورية، وحرمان فرنجية من قدرته على الاستمرار بعد ارتفاع هذه الوصاية. ولقد كان لافتاً جداً أن كلاً من عون وفرنجية اعتمد خطاباً مبدئياً يتناقض مع الآخر. فعون ركّز على مبدئية الخصومة السابقة مع دمشق، وفرنجية على مبدئية العلاقة مع عائلة الرئيس الأسد. وتقاطع الخطابان في إدانة <<انتهازية>> الذين انقلبوا على سوريا معتبرين أن ذلك هو طريقهم إلى السلطة. ولقد أمكن لهذا التحالف أن ينهض، وأن يستجلب تأييداً، انطلاقاً من الفرضية القائلة بأن الملف السوري في لبنان طوي وبأن الصراع الفعلي هو على ترتيب توازنات ما بعد الانسحاب. قيل الكثير عن أن التصويت في الشمال كان طائفياً. هل هذا صحيح؟ هل صحيح أن حملات <<التجييش>> قادت إلى وضع الطوائف في مواجهة بعضها؟ إن الجواب عن هذا السؤال دقيق جداً، لا سيما أن ما قاله أركان اللوائح المتنافسة في مدح الوطنية وذم الطائفية يمكنه أن يملأ مجلدات. لنأخذ الاقتراع السني مثلاً.

إنه اقتراع على الهوية إلى حد كبير. هذا ما لا جدال فيه. أي انه اقتراع لهوية بالدرجة الأولى وليس اقتراعاً سلبياً ضد هوية أخرى. لم يصوّت المسلمون ضد المسيحيين، صوّتوا لصالح مسلمين. إنه اقتراع قام به قوم يبحثون عن معنى ما ولا يجدونه في نواب عكار أو مرشحي طرابلس على اللائحتين المنافستين لتيار <<المستقبل>>. وإذا كان هذا الاقتراع طائفياً فهو كذلك بمعنى أنه بدا غير مبال إطلاقاً بتأثير ما يفعله على تشكيل التوازن لدى المسيحيين. لو كان مرشحو <<التيار الوطني>> متحالفين مع <<المستقبل>> لكان المسلم العادي في طرابلس اقترع لهم. وهو، أصلاً، لم يمانع في الاقتراع لمرشحي <<القوات اللبنانية>>. الناخب البسيط لبى نداء الزعيم، زعيمه، تاركاً له أمر <<السياسة العليا>>، أي اختيار الحلفاء. وهو يقبل منه أي اختيار لدى الآخرين لأن الأولوية بالنسبة إليه هي أنه يفضل هذا الزعيم على غيره من المرشحين المسلمين. ولم يمارس الناخب العادي حقه في تشكيل اللوائح لأن في ذلك ترفاً لا يتناسب مع وعيه البديهي، ولأن هذا الترف يحتاج إلى درجة أعلى من التسييس. لذا لم يكن غريباً أن تهزأ نخب من <<زي ما هيي>> في حين يطرب الجمهور لها، كل الجمهور. يقتصر الاختيار على الوعاء، أما ما فيه فموضوع آخر. لقد كانت الحاجة إلى المعنى كبيرة. وبما أن سعد الحريري هو ضامن هذا المعنى فإن أحداً لن يحاسبه على اختيار المرشحين

المسيحيين. هل حاسبه أحد، أصلاً، على المرشحين المسلمين؟

لقد كان واضحاً أن ثمة رغبة جامحة في التعويض عن فقدان الشهيد رفيق الحريري وذلك حفاظاً على ما يعتقد أنه الموقع العام للطائفة. ومع أن سعد الحريري حاول، بحضوره، تقديم مثل هذا التعويض، فقد اكتشف، بعد ظهر الأحد، أن ذلك لا يكفي. من هنا كان نداؤه الأخير، وهو نداء معناه: أنا لست هو، وإذا أردتم لي الاستمرار فامنحوني فوزاً كاسحاً. شاركوا بكثافة فأنا وأنتم نملأ الفراغ.

لقد خاطب سعد الحريري مزاجاً عاماً وحقيقياً عند سنّة الشمال. ومن هنا فإن التركيز على <<المال السياسي>> قاصر عن شرح ما جرى. لا ضرورة، ربما، لنكران حقيقة <<المساعدات>>. إلا أنها <<مساعدات>> فوق أرض خصبة. إنها نوع من التبشير بين مؤمنين. بكلام آخر إنها مكافأة لرغبة أصلية وصادقة موجودة عند المتلقي. لقد كان هذا الأمر واضحاً مع الحريري الأب... وهو مستمر. إن مَن يتلقى أي مساعدة من الحريري لا يشعر بأي عقدة ذنب لأنه يتلقى ما يعتبره حقاً له على شخص خرج من صفوف الفقراء و<<أكرمه الله>> وها هو يعيد توزيع الثروة. إن الحريري لا يشتري الحب لأنه، في الوعي الشعبي، إنما يكافئ محبيه. لذا فإن الضجة حول <<المال السياسي>> هي ذريعة للتهرّب من مواجهة الواقع.

لقد وفّر الشمال أكثرية نيابية لسعد الحريري وتحالفاته. هذا دَين عليه بعد دَين البقاع الغربي. لقد أعطى الشمال سعد الحريري أكثر مما أعطته بيروت. ويتوجب القول إن الشمال أعطى سعد الحريري أكثر مما أعطى رفيق الحريري الشمال. ولا يفيد، هنا، تكرار سعد أن الشهيد كان محروماً من زيارة المناطق. لا يفيد، لأنه كان في وسعه أن يهتم بها من بيروت. وهذا ما لم يحصل. لقد عانت <<الحريرية>> من <<المركزية البيروتية>> أو من <<التمحور البيروتي>> (بعضٌ من ثمن تثبيت زعامة صيداوية على العاصمة). وحصل ذلك في سياق مشروع اقتصادي قليل العناية بالمناطق النائية والمحرومة. إن سعد الحريري، اليوم، أمام معطى جديد خاصة بعد احتكاكه المباشر بأهل الشمال، وبنسبة أقل، بأهل البقاع. والمنطقي، استنتاجاً من ذلك، التخفيف من هذه <<المركزية البيروتية>> في الصيغة التي ستعتمد استمراراً لنهج الشهيد. إن الشمال هو، بمعنى ما، في قلب المشكلة الاجتماعية اللبنانية. والمطلوب <<الوفاء له>>، مع ما يعنيه ذلك من تعديل في السياسة الاقتصادية الاجتماعية.

في الشمال انتخب المسيحيون مسيحيين والمسلمون مسلمين. أي أن كل بيئة أجرت الانتخابات ضمنها. فضّل المسيحيون تحالف عون فرنجية على <<القوات>> و<<قرنة شهوان>>، وفضّل المسلمون تيار <<المستقبل>> على خصومه السنة. أي أن أمنية البطريرك صفير تحققت ولكن قانون الألفين استولد الحدة التي شهدناها، نتيجة تقسيمات الدوائر، وأدى إلى الخوف من أن تحدد طائفة كاملَ ممثلي الطوائف الأخرى، نتيجة النظام الأكثري. المشكلة مزدوجة إذاً: في المجتمع وفي القانون. ولم يعد ممكناً تجاهل الإقدام على استنباط قانون انتخابي يستحسن أن يكون مركّباً ويعتمد على الدوائر الصغرى مع الكبرى مع النسبية.

لقد سقط القانون الحالي سقوطاً مدوياً. فمن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ثمة فئات مستبعَدة، وثمة أقضية محرومة من التمثيل (زغرتا، الكورة، البترون، بعبدا، جزين...). وهذا تكرار غريب لبرلمان 92 وهو غريب، بالضبط، لأن نتائج المقاطعة متماثلة مع نتائج المشاركة... الكثيفة.

سيضم المجلس الجديد نواباً مسيحيين موزعين على ثلاث مراتب: نواب <<التيار>> هم نواب الدرجة الأولى؛ نواب <<القوات>> هم نواب الدرجة الثانية؛ ونواب الدرجة الثالثة هم المنتخَبون على اللوائح الأخرى. يضاف إليهم، طبعاً، بعض الراسبين ممّن يمتلكون القدرة على النطق باسم شرعية شعبية. و<<القوات>> في مرتبة وسطى لأن النجاح الذي تحقق في بشري يرفع الحرج عن هذا التيار.

نتيجة ذلك، فإن التوتر سيستمر في هذه البيئة المسيحية، خلافاً لسكون البيئات الأخرى، بين تيارات يمثل كل واحد منها فهماً خاصاً لمعنى العيش المشترك: الفهم الندي، وفهم الشراكة (في انتظار ما سيكون)، وفهم الشراكة الدونية. يستطيع التياران الأخيران تقديم التغطية السياسية المطلوبة للسلطة الجديدة ذات الوزن الإسلامي الراجح. إلا أن مستقبل الصراع على المسيحيين مرهون، بين أمور أخرى، بسلوك الأكثرية النيابية الناشئة. ففي وسع هذه حصر المشكلة في بُعدها السياسي وعدم تحويلها إلى أزمة طائفية وطنية. ولكن شرط ذلك هو أن تبادر هذه الأكثرية إلى تخليص ممارستها من التوتر اللصيق بالوعي الأقلاوي المتوتر الذي يمثله وليد جنبلاط. إن المطلوب مقاربة <<سنية>> للمشكلة <<المسيحية>>، لا مقاربة <<درزية>>.

لقد بات محسوماً أن <<التيار>> سيكون العمود الفقري للمعارضة. وهو يملك خياراً من اثنين: تمثيل معارضة <<الطائفة المضطهدة>> أو تمثيل معارضة متشكلة من تحالف <<الطائفة المضطهدة>> مع <<المضطهدين في طوائفهم>>. ثمة إشارات متناقضة من <<التيار>>. وما قاله سليمان فرنجية بُعيد النتائج، إذا لم يوضع على حساب الرد الانفعالي، فإنه يمثل الخيار الأسوأ. إلى ذلك فإن الطموح إلى ما هو أفضل من الخيارين قد لا يكون جائزاً ضمن الوضع اللبناني الحالي. أضف إلى ذلك أن برنامج <<التيار الوطني الحر>> لا يقدم أرضية صالحة لجبهة معارضة واسعة (هذا بحث آخر) أرقى من الخيارين المشار إليهما.

مصادر
السفير (لبنان)