قامات منتصبة وجوه سمراء تسيج حواف الوطن, وسط بادية مترامية الأطراف, جباه كتبت الشمس عليها ذاكرة ساعات طويلة تزحف ببلادة آكلة أبهى أيام عمرهم, وغبار كثيف يعج في فراغ الانتظار الثقيل: إنهم يحرسون.

هناك عند الحدود, يسدد شبابنا الفتايا ضريبة السياسات الدولية الجائرة, رأيناهم يقفون في مرمى الأخطاء القاتلة, يتحدون الموت والملل وحياة يباب لا ينبت فيها زرع ولا يدر ضرع. في جولة نظمتها وزارتا الخارجية والإعلام للدبلوماسيين والإعلاميين إلى الحدود السورية العراقية, بهدف الاطلاع على الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لضبط الحدود, بمحاذاة الساتر الترابي والحواجز الإسمنتية والأسلاك الشائكة التي شغلت بال الملحقين العسكريين الأوروبيين, فأمعنوا في فحصها بحثاً عن أنفاق أو اختراقات أو أي دليل يثبت أن سوريا لا تلتزم بضبط الحدود. وقف الإعلاميون الغربيون أشبه بالمحققين يلقون أسئلتهم وشكوكهم, ووقفنا نحن مع أبناء وأخوة لنا من كل أنحاء سوريا يخدمون العلم عند الحدود, فاستعصت الأسئلة وبدت بلا معنى, ماذا نسألهم وهم المنقطعون عن جميع أساليب الحياة العصرية, لا ماء ولا كهرباء, فقط ارض وسماء وسلاح؟ أرض؛ ينبت من بطنها كالكمأ مهربون لا تعوقهم قوات عاتية برية أو جوية. فالأرض أرضهم, ومشاع لهم أبي الشامات والحماد والحرّات... طبيعة لا تعترف بالخرائط الدولية, حيث لا حدود بين العراق وسوريا والأردن, وهي إن وجدت ستكون وسيلة لكسب العيش والافادة من فارق الأسعار, لا سبباً لتقطيع أوصال القبائل والعشائر والمجتمعات البدوية. ترى هل يستطيع حرس الحدود القيام بما عجزت عنه موجات الجيوش الغازية والحملات الاستعمارية على مر العصور؟ سؤال برسم الزمن الآتي, إجاباته الأولى معادلات تخطئ إذ تسقط الإنسان من حساباتها الجغرافية. الحارس السوري, ليس مجرد جندي ينفذ الأوامر العسكرية, ويحمل في صندوق الزاد الخشبي الخبز والبندورة والبطاطا وأحلام يقظته وصور الممثلات وملكات الجمال, انه ابن البلاد السورية, في قلبه للوطن شكل آخر, لا يشبه وطن المناهج المدرسية, ولا وطن الإيديولوجيات الآفلة, وطن يشبه جبهته المرفوعة كالعلم وسط البيداء, تعصف به الرياح فيزداد شموخاً, وطن لا يخشى ضربة شمس, ولا برد الشتاء, وطن يشبه ذلك الجندي في بؤسه وشقاءه, حين يغدو محض كلمات في شعار رنان, وأغنية حماسية تدوي على وقع مارشات عسكرية, تملأ الدنيا ضجيجاً, فيما يسقط جندينا مضرجاً بدمائه, وتتولى أرقام نشرات الأخبار مسح اسمه من الذاكرة, واحد من عشرة أو من مئة... محض واحد يبقى مجهولاً حتى إشعار آخر لن يأتي. أمام هؤلاء الجنود, أمام هؤلاء: الوطن, ننحني بخشوع, نحن المسترخين خلف متاريس الكلام, آن لنا أن نخجل من الاتجار بالأفكار والنظريات في بازار الحريات والديمقراطيات الزائفة, ومن التبصير في فنجان الأهواء الدولية, فمن شأن الفوضى أن تضيع الأوطان. آن لحكوماتنا وأنظمتنا أن تصحو من غفوتها, فالوطن ليس عنصراً مسيراً يأتمر بأمرها, ولا سجيناً في معتقلاتها, ولا طفلاً بريئاً يصدق وعودها, ولا إناء يمتلئ بعقائدها, ولا بقرة حلوباً سخرت لها... في تلك البادية المنبسطة بلا حدود تحت سماء صافية بلا حدود, رأيت الحلم أسيراً في عيونهم إلى أبعد الحدود... رأيت الوطن...

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)