يعترف مناهضو الرعاية الدولية للبنان او “الوصاية” كما يسمونها بأن المجتمع الدولي الذي وفرها ولا يزال يتابعها حقق القسم الاول من اهدافه التي تضمن القرار الدولي 1559 ابرزها. فالجيش السوري انسحب من لبنان في 26 نيسان الماضي مع مخابراته واجهزته الامنية على الاقل رسميا. والانتخابات النيابية جرت في موعدها، رغم محاولات إرجائها حينا بمبررات مقنعة وحينا اخر بمبررات لا تقنع حتى الاولاد، وأثمرت رغم عيوب القانون الذي اجريت بموجبه ورغم رفض غالبية اللبنانيين له فوزا كبيرا للتيارات السياسية – الطائفية – المذهبية المعارضة. وهذا الفوز لا يزال ينتظر ترجمة عملية له بعد الانقسامات التي عصفت به قبل الانتخابات والاخرى التي يمكن ان تعصف به جراء انقسامات اخرى في المرحلة المقبلة. لكن هؤلاء يعتقدون ان مرحلة تنفيذ الاهداف الاخرى الموجودة في الروزنامة الدولية وفي مقدمها نزع سلاح المقاومة التي يعتبرها ميليشيا لبنانية وسلاح الميليشيات الاخرى غير اللبنانية، ستبدأ قريبا اي بعد انتخاب رئيس جديد (قديم!) لمجلس النواب وبعد تأليف حكومة جديدة وبعد اقتناع التغييريين في البلاد رغم انقساماتهم والخلافات بينهم باستحالة او ربما بصعوبة "الدق" بالرئاسة الاولى في المرحلة الراهنة وربما في المستقبل المنظور. وهم يصورون الامر على ان اصحاب الرعاية الدولية وفي مقدمهم فرنسا واميركا بدأوا يقدمون للقيادات السياسية اللبنانية التي تعاونت معهم واستفادت من ضغوطهم لتحقيق عدد من اهدافها فواتير بأتعابهم ويطلبون منهم تسديدها. وابرز فاتورة: سلاح المقاومة وعمودها الفقري "حزب الله". ويحاول المناهضون انفسهم بذلك تحذير الجميع في لبنان من التجاوب لان النتائج ستكون صعبة وغير مضمونة ولان عواقب التجربة قد تكون وخيمة على البلاد ومقوماتها.

هل ما يعتقده مناهضو الرعاية الدولية وما يحذّرون منه صحيح؟

لا شك في ان المجتمع الدولي مصر على تحقيق اهدافه اللبنانية المنصوص عليها في القرار 1559، واهدافه غير اللبنانية في الوقت نفسه المتمثلة بالضغط على سوريا في لبنان ثم منه بعد انسحابها منه ومن ساحات عربية اخرى. لكن لا شك ايضا في ان هذا المجتمع الذي تقوده الولايات المتحدة يعرف او بالاحرى يدرك وخصوصا بعد تجربته المكلفة في العراق التي لم تنجح بعد او التي لم يكتمل نجاحها حتى الآن والتي يشك كثيرون في امكان نجاحها، ان تنفيذ الاهداف على ارض الواقع ليس دائما بسهولة وضعها على الورق. وقد اظهرت ذلك اخيرا المعلومات الاوروبية اذا جاز التعبير التي وصلت الى اكثر من جهة لبنانية والتي اشارت الى إرجاء حسم رئاسة العماد اميل لحود للجمهورية ولا سيما بعد التطورات الكثيرة التي حصلت على الساحة اللبنانية في الاسابيع الستة الماضية والتي فرزت القوى السياسية ثم خلطتها بطريقة جعلت من المتعذر تحقيق اجماع وطني او شبه اجماع وطني على هذا الموضوع. وفي موضوع سلاح المقاومة اي سلاح “حزب الله” تظهر المعلومات اياها اصرارا دوليا على نزعه تنفيذا للقرار 1559 تعكسه المواقف الرسمية اليومية للمسؤولين الكبار في واشنطن وباريس ونيويورك وغيرها من عواصم القرار في العالم. لكنها تظهر في الوقت نفسه امرا اساسيا هو استعداد المجتمع الدولي لاعطاء لبنان الفرصة الكافية لنزع السلاح المذكور او لتسلمه ومطالبته الافرقاء اللبنانيين بالتحاور مع قيادة “حزب الله” بغية اقناعها بالتخلي عن السلاح الذي لم يعد لوجوده معنى في نظره وذلك وفق تسوية لا تؤثر عليه او على جمهوره الشيعي اساسا ولا على قوة لبنان وقدرته النسبية طبعا على الدفاع عن نفسه بعدما كان تاركا هذه المهمة في السابق للعالم انطلاقا من سياسة ان قوة لبنان تكمن في ضعفه. والحوار المشار اليه يقتضي وقتا. والمجتمع الدولي يبدو انه مستعد للانتظار مدة غير قصيرة من اجل ذلك لكن شرط ان تسلك الاوضاع في لبنان طريق الاستقرار، واعادة البناء والاوضاع على الحدود مع اسرائيل طريق الهدوء او التهدئة.

اما ما يدفع المجتمع الدولي الى هذا “التساهل” او “التسامح” اذا جاز التعبير على هذا النحو فامران:

الاول معرفته ان “حزب الله” يمثل معظم الطائفة الشيعية، علما ان مقاومته لاقت تأييدا لبنانيا كبيرا، وحرصه على ان لا يتسبب التسرع او الاستعجال في حسم موضوع سلاحه في تفجير الوضع اللبناني الداخلي الذي لا بد ان تصيب شظاياه محيطه العربي كله. فالطائفة المذكورة لا “يركب” البلد من دونها لاهميتها السياسية والديموقراطية، فضلا عن ان لها مصلحة اساسية في بقاء الكيان اللبناني ونهائيته.

اما الامر الثاني فهو اعتماد المجتمع الدولي على حوار تقوم به فرنسا مع ايران الاسلامية يتناول تحديدا او ربما حصرا موضوع "حزب الله" وسلاحه وذلك انطلاقا من معرفته بالدور الكبير الذي قامت به الاخيرة سواء على صعيد نشأة الحزب او رعايته او حمايته او مده بكل المساعدات التي يحتاج اليها. وانطلاقا ايضا من معرفته بحرص ايران على دور الشيعة المهم في لبنان بل في اعادة بنائه بالاشتراك مع كل الطوائف الاخرى فيه وبسعيها الدؤوب الى الانفتاح على هذه الاخيرة وبدفع الحزب الى ممارسة الانفتاح نفسه، علما ان الموقف الايراني في الماضي وتحديدا عند وضع اتفاق الطائف كان مغايرا، ربما لنقص في الخبرة والمعرفة اذ كان يعتبر الاتفاق المذكور مجحفاً في حق الشيعة الذين "ربحوا الحرب". والحوار الفرنسي – الايراني حول سلاح المقاومة لن ينتهي في سرعة لاسباب متنوعة، منها ان ايران تفاوض المجتمع الدولي عبر ثلاثي اوروبي معروف مكلف من المجتمع الدولي (فرنسا واحدة منه) حول حقها في امتلاك طاقة نووية. وطبيعي في حال كهذه ان يدخل الحزب في "بازار" التفاوض الشامل حول الطاقة المذكورة وقضايا اخرى. ومنها ايضا الانتخابات الرئاسية في ايران التي يفترض ان يكون حسمها الشعب الايراني امس. فالرئيس السابق حجة الاسلام هاشمي رفسنجاني قال في تصريح له اثناء حملته الانتخابية وقبل دورة الاقتراع الاولى ان “حزب الله” سيعود الى الحياة المدنية والسياسية بعد تحرير ارضه اي الاراضي اللبنانية المحتلة. هذا الكلام معطوفا على مواقف اخرى لرفسنجاني حول جعل الحوار مع اميركا جزءا من سياسته في حال فوزه بالرئاسة يدفع المجتمع الدولي الى التريث في بت موضوع “حزب الله” او بالاحرى سلاحه في لبنان. علما ان الفريق المتشدد في ايران والذي يمثله المرشد الاعلى آية الله علي خامنئي لا يبدو منشرحا لمواقف رفسنجاني الاميركية اولا ثم اللبنانية (حزب الله). وتردد في هذا المجال ان قيادة “الحزب” اثارت مع المرشد الايراني كلام المرشح رفسنجاني واظهرت قلقها منه. وربما يكون ذلك دفعه الى "حوار" غير معلن مع رفسنجاني حول سياسته المقبلة في حال وصوله الى سدة الرئاسة مرة ثالثة.

في اي حال ان موضوع سلاح “حزب الله” معقد جدا، والحوار اللبناني – اللبناني والدولي – الايراني يستطيعان ايجاد حلول له. وذلك يستلزم وقتا قد يكون طويلا. والاستعجال في حسم هذا الملف قد يوقع البلاد وربما غيرها في ورطة كبيرة لان المعلومات المتوافرة عند اكثر من جهة محلية وخارجية تشير الى ان "الحزب" لن يستسلم بالسهولة التي يتصورها البعض والى انه يستعد لأسوأ الاحتمالات.

مصادر
النهار (لبنان)