لاشك بأن المؤسسات الاعلامية الكبرى التي تخضع لمراكز القرار الأمريكي والأوروبي والاسرائيلي،تلعب دوراً محورياً بالغ الأهمية في تكوين الرأي العام،وتوجيهه الوجهة التي تتماشى وتنسجم مع الاستراتيجيات والرؤى والتوجهات الخاصة بالمصالح التي تمثلها مراكز القرار تلك. وعلى هذا الأساس يمكننا تفسير أسباب هذا الضغط الاعلامي الهائل على النظام السوري،الذي بات وفق المستجدات التي نجمت عن نهاية الحرب الباردة،متناقضاً بطبيعته وسياساته الاقليمية مع المصالح الأمريكية والغربية.وبالتالي يمكننا الاستنتاج بأن هذا الضغط الاعلامي ماهو إلا مقدمة لضربة أليمة توجهها أمريكا للنظام السوري بغية اخراجه من كافة المعادلات،وإلحاقه بقطار إعادة ترتيب المنطقة ،تحت يافطات أمريكية متنوعة على رأسها مايسمى “مشروع شرق أوسط كبير”!. وعلى هذا الأساس أيضاً،يمكننا النظر إلى الاتهامات التي توجَّه بشكل تلقائي إلى النظام السوري بشأن التفجيرات اللبنانية الأخيرة،ومسلسل الاغتيالات،بدءاً بـ“الحريري”،وليس انتهاء حتى الآن بـ“جورج حاوي”. وليس مهمّاً من وجهة نظر مصالح الدول الكبرى،وموازين القوى،فيما إذا كان النظام السوري هو بالفعل وراء هذه الأحداث التي تعصف بالساحة اللبنانية،أم لا!. ويمكننا هنا أن نلاحظ كيف استفادت الماكينة الاعلامية الضخمة التابعة للغرب،من أخطاء النظام السوري وخطاياه المتراكمة عبر عقود طويلة تكونت واستفحلت في ظل الصراع بين المنظومتين اللتين كانتا تتحكمان بالعالم قبل سقوط التكتل الاشتراكي المدوي.

بعد أحداث أيلول،ثم إحتلال العراق،وجد النظام السوري وإعلامه المترهل نفسيهما يقعان في “حيص بيص!” تجاه الأحداث المتلاحقة والمتسارعة. وبدأت المصائب تنصبّ على رأسه واحدة تلو الأخرى،بدءاً من اتهامه بإيواء فلول البعث العراقي تدخله بالشأن العراقي،مروراً بتحميله من قبل المجتمع الدولي، المسؤولية عن الأحداث اللبنانية وبالتالي صدور القرار 1559 وعدم قدرة النظام على قراءته جيداً،وصولا لفرض سياسة العقوبات الاقتصادية والمالية عليه وقوانين محاسبة وتحرير سوريا..الخ. والحق يقال،فإن ردود الفعل والخطوات التي قام بها النظام السوري لدرء هذه “البلاوي” عن نفسه قد فاقمت الوضع،وانعكست سلباً عليه،لدرجة أن كتب أحد المحللين أن النظام السوري قد أساء لنفسه في السنوات الأخيرة،عن طريق اعلامه وممارسات مخابراته،أكثر مما أساءت له القوى العدوة المتربصة به!!. كان النظام قبل قدوم “البعبع” الأمريكي إلى المنطقة يعتمد المبالغة بالرد الأمني على معارضته الداخلية،والتطنيش والاستفزاز تجاه الاستحقاقات والمتطلبات الدولية. فعلى صعيد الداخل،وبعد الحوادث الدامية في الثمانينات،فقد أصبح النظام أكثر حساسية تجاه شعبه ومعارضاته المختلفة.وأصبحت سياسة البطش بأي حراك أهلي هي المعتمدة.وكانت العقوبات المفروضة على المعارضين أو من يشتبه بمعارضتهم في غاية القساوة،مستمدة شرعيتها من القوانين الاستثنائية التي سنّتها السلطات السورية المتعاقبة منذ انقلاب اذار1963 ومجيء البعث الى السلطة. وفي بداية التسعينات تم الحكم على أعداد كبيرة من أعضاء وأصدقاء الأحزاب اليسارية المسالمة في محكمة أمن الدولة ،بأحكام جائرة ومتطرفة جداً،وصلت لحدود العشر سنوات لمجرد قراءة جريدة “الرّاية الحمراء”(1)مثلا،ولو لمرة واحدة في حياته!!. وبعد وصول “بشار” للسلطة،تمّت في بداية عهده محاكمة (الأفاضل العشرة)،وحكم على أحدهم(2) لمدة عشر سنوات لمجرد إلقائه محاضرة عن آليات الفساد المستشرية في سوريا!!. وإلى الآن،ورغم تراخي القبضة الأمنية قليلاً،إلا أن العمل مازال قائماً بالقوانين الاستثنائية.ومحكمة أمن الدولة مازالت تمارس دورها سيء الصّيت بكل فعالية،بإصدارها أحكاماً شديدة القساوة والتطرّف على معارضيها الوطنيين،عرباً وأكراداً.وذلك على الرغم من الانفتاح الاعلامي الواسع الذي تشهده المنطقة لأول مرّة في تاريخها!.

أمّا على الصعيدين الدولي والاقليمي،فقد استفاد النظام تاريخياً من مناخات الحرب الباردة،وبرع في استخدام الصرّاع بين المعسكرين وتجييره إقليمياً لمصلحته الخاصة. فتضخّم دوره كثيراً،وامتدت ذراعه القوية لتضرب القوى المعادية له على الساحتين اللبنانية والفلسطينية دون رأفة.وتوجهت له أصابع الاتهام أكثر من مرة،بمسؤوليته عن محاولات الاغتيال التي كانت تتم على تينك الساحتين،كاغتيال“كمال جنبلاط”على سبيل المثال.

منذ ضرب برجي التجارة في نيويورك،ومن ثم احتلال العراق،وظهور أجندة جديدة للولايات المتحدة في المنطقة،بدأ النظام السوري سلسلة أخطائه الكبيرة الناجمة عن عجزه عن قراءة المعطيات المستجدة. فقد تحدى النظام السوري مشاعر الكثيرين حين أصر على التمديد للرئيس اللبناني“لحّود” رغم المطالبة الواسعة من قبل أقوى مراكز القرار بعدم التمديد.وجرّت سياسة الاستفزاز والتطنيش التي كان النظام يعتمدها سابقا بنجاح،عليه الوبال فصدر القرار“1559” الذي هدم كل مابناه النظام السوري في لبنان خلال أيام معدودة!. كما اتخذ النظام سياسة إعلامية“على الأقل”شديدة العداء للاحتلال الأمريكي للعراق.وأخذت نشرات الأخبار تذيع أنباء مقتل الجنود الأمريكيين بنيرة الانتصار والشماتة،مما ساهم في أن تحقق الجهات المعادية غرضها بالدعاية بأن النظام ضالع في الأعمال الارهابية التي تستهدف العراقيين والأمريكيين على حد سواء،ومتورط فيها !.

ماسبق لايعدو كونه أمثلة بسيطة على كيفية تعامل النظام مع المستجدات الدقيقية والحاسمة التي طرأت على المنطقة. وبالتالي يصبح توجيه أصابع الاتهام لسورية في مسلسل تفجيرات لبنان أكثر سهولة،وأكثر تقبلا لدى الرأي العام الذي وجّهته “البروباغندا”الأمريكية الوجهة التي تريد،والذي أصبح مقتنعا تماماً بأن هذا هو الأسلوب الوحيد المعتاد للنظام السوري في معالجة مشاكله وخصوماته!. ومايحزن حقاً،هو أنه ورغم الانكسارات العديدة التي مني بها النظام،الا أنه على مايبدو لايرغب،أو غير قادر على تغيير خطابه السياسي والاعلامي ولا ممارساته سواء تجاه الداخل أو الخارج.

ويأتي اغلاق صحيفة “المبكي”مؤخرا،كخطوة بالغة العسف واللاشعور بالمسؤولية من قبل بعض المتنفذين في السلطة، رداً على تناول الصحيفة لأحد المواضيع المتعلقة بالفساد.رغم أن قانون المطبوعات الجائر جداً لايفرض عليها في أقصى الحالات سوى عقوبة مالية!. ومايحز بالنفس أيضا خطابات التخوين والعمالة التي ظهرت في الصحف السورية مؤخراً،والموجهة لناشطي حقوق الانسان في سورية(3)،بسبب مطالبتهم لجنة المفوضية الأوروبية بربط توقيع اتفاق الشراكة مع سوريا،بتحسين حقوق الانسان واطلاق سراح المعتقلين السياسيين. وبدلا من اطلاق سراح بضعة معتقلين سياسيين لايتجاوز عددهم أصابع اليدين أو أكثر قليلا،والاستفادة الهائلة من هذا القرار على صعيد الاعلام،وعلى صعيد المصالحة الوطنية، وعلى صعيد العلاقة مع أوروبا وخصوصا “فرنسا”،نجدأن النظام قد أصم أذنيه على طريقة أنه «لا أحد يمسكني من اليد التي تؤلمني»!!.

بهكذا سياسات،تقف سوريا اليوم على حافة الهاوية،مالم يغير النظام السوري فوراً أولوياته وآلياته. وبرأينا المتواضع جدا،فاننا نرى بأن على النظام الانفتاح التام وفورا ودون ابطاء على شعبه وقواه الوطنية والديموقراطية،والاسراع بتنفيذ توصيات مؤتمر “البعث” تنفيذا حازماً لايفرغها من محتواها...الخ وعلى الصعيد الخارجي،فان سياسة “الانحناء الخلاّق”و“التنازل الذكي” أمام العاصفة الأمريكية ربما كانت أفضل الطرق لمواجهة الأحابيل ألأمريكية.كما يجب تخفيف حدة النبرة الاعلامية الموجهة لمخاطبة الرأيين العالمي والمحلي،والأحرى أن يقوم بتغيير شامل بسياسته الاعلامية،واقصاء الوجوه الاعلامية غير الجديرة والناطقة باسمه،وإبدالها بوجوه أكثر كارزمية تعتمد المخاطبة العقلانية والتحليلية أكثر من الخطابات الانشائية التي أكل عليها الدهر وشرب(4). كل ذلك ليس بسبب رغبتنا بالمحافظة على النظام،وإطالة عمره،بقدر ماهي دعوة فردية مخلصة لهذا النظام بأن يسعى للتخفيف من آلام المخاض العسير الذي تشهده سوريا اليوم،وأن يحاول أن يخرجنا ويخرج نفسه معنا من عنق الزجاجة التي وضعنا،ووضع نفسه أيضاًفيها، بأقل قدر من الخسائر. في النهاية فإننا مازلنا نملك أملا صغيرا جدا بأن الأوان لم يفت بعد!!.

مصادر
مرآة سوريا (سوريا)