كان لبنان منذ دخول سوريا رسميا ارضه عام 1976 بقرار عربي وقبول لبناني وتغطية دولية ساحة التقت فيها مصالحها ومصالح الولايات المتحدة رغم الاختلافات الكثيرة التي كانت بينهما والتي كان لها طابع محلي واقليمي ودولي. وعام 1989 رأت الولايات المتحدة ان الاختلافات المشار اليها كادت ان تنهي التقاء المصالح المشار اليها وان تقضي على التفاهم غير المعلن الذي توصلت اليه قبل سنوات مع سوريا حافظ الاسد فاوفدت الى الاخير مسؤولا مهما اعاد وبعد نجاح "مفاوضاته" في دمشق قطار التلاقي الى سكته. واثمرت عودته دعوة عربية للبرلمانيين اللبنانيين الى الاجتماع في مدينة الطائف السعودية في خريف ذلك العام والى الاتفاق على ميثاق وطني جديد وضع حدا للحروب في لبنان من اهلية وغير اهلية وحظي بمباركة دولية وبدعم دولي لتنفيذه وبقبول دولي لان تكون سوريا الراعي الاول وربما الاوحد لهذا التنفيذ. اما لبنان اليوم وتحديدا منذ تمديد سوريا ولاية رئيس الجمهورية العماد اميل لحود في ايلول 2004 والتطورات الدراماتيكية السلبية والايجابية في آن واحد التي شهدها فقد تحول، ولاسباب ليست هذه العجالة مجال شرحها، ساحة مواجهة وصراع بين الدولتين اياهما اي الزعيم الاحادي لعالم اليوم الولايات المتحدة والقطب الاقليمي او بالاحرى العربي سوريا. علما ان الاختلافات بينهما قبل ذلك بسنتين على الاقل. واذا كان لبنان نعم بعد عودة قطار تلاقي المصالح السورية – الاميركية بشيء من الاستقرار السياسي وان شكلا وباستقرار امني لافت وان ناجما عن قبضة امنية شديدة اكثر منه عن وفاق وطني لبناني وعن علاقة سورية – لبنانية سليمة فانه يعاني اليوم، ويا للاسف بعد عودة الخلاف بل المواجهة بين دمشق وواشنطن ضربا للاستقرارين المذكورين الامر الذي شرع ابوابه على المجهول وتحديدا السيىء منه.

طبعا لا يرمي هذا الكلام مباشرة او مداورة الى تحميل طرفي الصراع الدائر باحتدام على “الساحة اللبنانية” ولاسيما سوريا مسؤولية ما حصل منذ التمديد للرئيس لحود والتطورات التي تلته ولاسيما الاجرامية منها رغم ميل قسم مهم من الرأي العام الى تحميلها اياه في شكل او في آخر. فذلك امر قد تنفيه او تثبته نتائج التحقيقات الجارية من محلية ودولية. بل يرمي الى لفت جميع اللبنانيين الى خطورة الصراع المشار اليه والى دعوتهم الى عدم التحول ادوات له او وقوداً والى الافادة من كل ما حصل لاعادة بناء البلاد على نحو يحفظ وحدتها واستقلالها وسيادتها والعيش المشترك فيها ويصحح في الوقت نفسه علاقاتها مع سوريا التي تحتاج الاثنتان الى صحتها وسلامتها ومتانتها. ذلك ان الانسياق وراء العواطف من شأنه تدمير البلاد على رؤوس ابنائها. والاعتماد لمنع ذلك على روابط الاخوة القومية والجغرافية التي تجمع لبنان وسوريا وعلى القيم الاميركية بل الدولية وفي مقدمها الديموقراطية والحرية وحقوق الانسان والسيادة... لن يكون في محله لان المصالح هي التي تعطى الاولوية في الصراعات الكبيرة والمحتدمة، والصراع الاميركي – السوري واحد منها، وليس العواطف والروابط ايا يكن نوعها.

هل اللبنانيون واعون الى الخطر الذي يحدق بهم بسبب الصراع المفصل اعلاه ونتيجة له؟

مواقفهم العلنية تظهر وعيهم. لكن ممارساتهم فضلا عن تفاصيل المواقف التي يظهرون عليها اجماعا تنفي وجوده جملة وتفصيلا. فالشعب اللبناني كان دائما شعوبا ينتمي كل منها الى دين معين او الى مذهب معين داخله. واثر ذلك سلبا على وحدة البلاد وكان من اسبابها اندفاعها الى الحرب عام 1975 واعاق اعادة بنائها على اسس سليمة بعد انتهاء هذه الحرب عام 1990. لكنه كان يظهر دائما خجلا او حياء من هذه الحقيقة المرة ويسعى الى ايجاد حل لها او الى تجاوزها ولكن من دون اي نجاح يذكر ربما لان الجهة الاقليمية التي كلفها المجتمعان العربي والدولي واللبنانيون عموما إعادة بناء لبنان ورعاية مسيرة انتقاله من الحرب الى السلم لم تقم بواجبها لاعتبارات متنوعة قد يكون لبعضها صلة بالصراع مع اسرائيل ولبعضها الاخر صلة بطموحات لبنانية لها. كما ان الشعب اللبناني كان يحاول من خلال التمسك بتنوع التلاوين الطائفية والمذهبية في التيارات السياسية داخله اظهار رغبته في استمرار الوحدة والعيش المشترك والمتوازن وإن ربما بصيغ اخرى جديدة. اما الآن فان الشعب اللبناني هذا صار شعوبا "رسمية" اذا جاز التعبير. فكل طائفة من طوائفه وكل مذهب من مذاهبه صار دولة او يكاد ان يصير دولة داخل الدولة او على الاقل حزبا ليس وطنيا رغم الكلام عن الوطنية عند الجميع بل اتنياً وخصوصا بعدما صارت الطوائف والمذاهب تعبر عن انتماءات “قومية”، وعذرا لهذا التعبير، في حين انها تعبر او يفترض ان تعبر عن انتماءات لاديان ولفروع داخلها. ونقل ذلك لبنان من دولة الطوائف والمذاهب المتنوعة الساعية بغير نجاح الى “الانصهار” في وطن تعددي واحد الى دولة فيديرالية الطوائف بكل وضوح. وهو قد ينقله من مرحلة غير بعيدة الى خيار قديم وجديد هو اقامة الدولة الفيديرالية تيمنا بما جرى في بعض البلقان في التسعينات من القرن الماضي وما يجري في العراق منذ سنوات قليلة. هذا الخيار كلف اللبنانيين دما كثيرا وتدميرا كبيرا ولم يتحقق. فهل تؤدي العودة اليه، اذا تمت، الى تكبيد اللبنانيين انفسهم تكلفة الماضي نفسها او ربما تكلفة اكبر منها! لا احد يعرف لكن المخاوف مشروعة عند اللاطائفيين واللامذهبيين على قلتهم لان تجارب الماضي اللبناني قديمها والجديد اثبت وربما لا يقبل الشك ان الانتماء الارفع والارقى عند ابناء الشعب اللبناني كان لطوائفهم ومذاهبهم وليس لوطنهم. وهو لا يزال كذلك. والمخاوف مشروعة ايضا عند اكثرية اللبنانية الطائفية والمذهبية. ذلك انها تخشى بسبب صراعات الداخل والصراع الدولي – السوري وتحديدا الاميركي والاوروبي – السوري في لبنان وعليه وعلى سوريا نفسها ان تتحول بلادها “ميني عراق” اي عراقاً مصغراً، علما ان تجربتها في هذا المضمار سابقة لتجربة العراقيين. وعلما ان هناك اختلافات كثيرة بين لبنان والعراق.

هل من وجهة نظر اميركية في كل ذلك؟

يعطي متابع اميركي “عتيق” للاوضاع في لبنان وسوريا ولدور اميركا في كل منهما جوابا عن ذلك هو الآتي:

- 1 ان ما بدأ يتكون في لبنان هو بداية فيديرالية دينية او طوائفية ولكن غير معلنة حتى الآن.
- بعد سنوات طويلة من النزاعات الطائفية والمذهبية في لبنان ومن الحكم السوري له، وهو حكم اوقف الحرب فيه لكنه لم يسمح باجراء مصالحة وطنية او على الاقل بحصولها، فان كلا من مكونات الشعب اللبناني “او كلا من شعوبه” يحاول تأمين مكان له تحت الشمس. فالشيعة يريدون زيادة مكاسبهم في البلاد والتحول لاعبا مقرراً فيه. والسنّة يريدون الامر نفسه وينطبق ذلك ايضا على الدروز والمسيحيين. نعم قد يتسبب ذلك باندلاع النزاعات من جديد. لكننا لا نعتقد ان السلطة العالمية او الكونية السائدة وان القوى الاقليمية وخصوصا التي منها قامت بادوار اساسية في نزاعات لبنان السابقة بل حروبه –لا نعتقد انها مهتمة بجولة عنف واسعة او شاملة جديدة في لبنان.
- المذكور اعلاه ينطبق على الفلسطينيين الذين داخل لبنان كما الذين خارجه. وينطبق ايضا على اسرائيل شارون التي تكفيها مشكلاتها مع اليمين فيها ومع الفلسطينيين. وسيطبق ثالثا على سوريا التي بدأت تدرك اي صعوبة هي فيها حاليا والتي صار همها اللبناني وبعد كل الذي جرى محصورا بالاحتفاظ بالحد الممكن من النفوذ في لبنان. وذلك يجعل لكل هؤلاء مصلحة في هدوء لبنان واستقراره. اما اميركا فانها مشغولة كثيرا بالعراق. هي تريد ان ينجح "الاختبار" اللبناني الجديد. ومن اجل ذلك فانها تتحاور مع الزعامة الدرزية الاحادية والزعامة السنية الاحادية اللتين افرزتهما الانتخابات الاخيرة ومع مجموعات مسيحية معينة. كما انها تتحاور مع فرنسا شريكتها في لبنان في افضل الوسائل لاقناع الزعيم الماروني الاول او المسيحي الاول العماد ميشال عون كي يقلع عن اساليبه القديمة “1988 – 1989 – 1990”. والحوار سيتناول ايضا الزعيم المسيحي الاخر سمير جعجع بعد خروجه من السجن. لكن ما لا نعرفه حتى الآن هو اذا كانت اميركا وفرنسا وحلفاؤهما سينجحون في تحويل هاتين الشخصيتين المسيحيتين رجلي دولة أو لا.

مصادر
النهار (لبنان)