إن السلطة التي وصلت إلى سدة الحكم بامتطاء صهوة حزب لا يزال من وجهة النظر القانونية غير مرخص “فلا يوجد طلب ترخيص له أو قرار بترخيصه” بالرغم ومن وصوله إلى السلطة منذ ستينات القرن الماضي.

فالقلق والخوف من وجود أحزاب أخرى ذات قاعدة جماهيرية واسعة “خارج إطار الجبهة” أمر مقلق جدا ويجري دوما خلق الحجج والذرائع للتهرب والمماطلة من مناقشة وإقرار قانون أحزاب وحتى حينما أزفت لحظة الاستحقاق وفرضت المتغيرات والضغوط الخارجية و الداخلية ذلك جرى الحديث ضمن المؤتمر عن قانون ترخيص للأحزاب لكن بشروط 000 عدد منتسبين يصل حتى عشرين ألف ويجب أن يشمل الحزب كل محافظات القطر أو معظمها ولا يجوز إنشائه على أساس ديني أو إثني ويجب أن يضم نساء بين صفوفه وإلى ما هنالك من شروط أخرى جرى الحديث عنها

أوقع المؤتمرون أنفسهم والجهة التي ستقوم بصياغة قانون جديد للأحزاب بورطة كبيرة لا أظنهم حسبوا حسابا لها وذلك من خلال السؤال التالي : هل سيشمل قانون الترخيص الأحزاب القائمة فعلا أم لا ؟0 إن كان الجواب لا . بمعنى أن الأحزاب القائمة والموجودة اليوم على أرض الواقع معترف بها ولا حاجة لترخيصها فهذا يعني أن الأحزاب بشقيها “الموالي والمعارض” المشاركة في ائتلاف الجبهة الوطنية و الغير مشاركة أصبحت معترف بها جميعاً وقانونية بموجب التشريع الجديد وهذا يعني أن هذه الشروط لن تطبق على الأحزاب القائمة حاليا وبالتالي تصبح كل الأحزاب لقائمة والمعروفة اليوم شرعية وقانونية بما فيها الأحزاب الكردية و حزب الإخوان الذي بالحقيقة أقرت السلطة بوجوده وإن لم تعترف بشرعيته منذ أصدرت القانون “49” الذي يعاقب كل منتسب له وهذا اعتراف رسمي بوجود الحزب على أرض الواقع و إلا لما كان هناك مبرر لإصدار مثل هذا القانون في حالة كونه غير موجود.

إذا فاعتبار أن القانون الجديد لا يشمل الأحزاب القائمة اليوم يعني في طياته الاعتراف بأحزاب المعارضة كأحزاب شرعية وقانونية . أما إذا كان الجواب نعم أي أن جميع الأحزاب “القائمة اليوم و التي ستؤسس حديثا” يجب أن تخضع لشروط الترخيص الجديدة. وفق هذا الاحتمال ستقع أحزاب الجبهة بحرج شديد جداً إذ أنها ستكون عاجزة تماما عن تأمين الشرط العددي بل إن معظم هذه الأحزاب “باستثناء حزب البعث كونه حزب السلطة” لا يستطيع أن يحقق نصف هذا العدد و لا ربعه حتى .

وربما تتفوق تنظيمات التيارات الإسلامية على كثير من الأحزاب الجبهوية بإمكانية تأمين عدد كبير من المنتسبين وبالتالي تتمتع بمشروعية الوجود رغم كل الشروط التي تصعب وجودها و يبقى فقط شرط انضمام نساء إلى الحزب وهذا أمر يمكن تجاوزه باعتبار أن انضمام النساء لم تحظره الجماعات الإسلامية “بقوانينها الداخلية” بل بالعرف والعادة! ويصعب إثبات أن أحد الأحزاب الإسلامية يذكر في أنظمته الداخلية وبشكل مكتوب عدم جواز انضمام النساء إلى صفوفه وحصر أعضائه على الرجال كما لا يوجد نص مكتوب لدى الأحزاب الأخرى بجواز انضمام النساء إليه ! بل إن شروط الانتساب في جميع أحزاب العالم تحدد على الأغلب مواصفات خاصة بالفرد كالعمر أو الحالة التعليمية أو الانتماء الوطني أو العرقي أو القومي أو الديني و بعضها يترك هامشا في هذا الموضوع كحزب البعث مثلا الذي يعتبر أن الجنسية غير مهمة ويكفي للمنتسب أن يكون عربياً “سواء أكان مصريا أو عراقيا أو جزائريا” بل و يتيح حرية الانتساب لأشخاص آخرين طالما عاشوا على الأرض العربية وتحدثوا لغتها وآمنوا بقضيتها وكذلك معظم الأحزاب الإسلامية التي تكتفي بالدين الإسلامي كأساس للعضوية دون النظر إلى الجنسية أو الانتماء ولا يخفى أن الأحزاب الدينية أو العرقية أو الإثنية معروفة في العالم أجمع ولبنان مثال قريب على ذلك . فهل يكفي أن يتجاهل النظام الداخلي لأي حزب عبارة مثل “عدم جواز انضمام النساء إليه” ليكون مقبول وفق قانون الترخيص الجديد أم أنه يجب أن تكون هناك نساء بين أسماء المطالبين بتشكيله وهذا أيضا أمر يمكن للأحزاب المعنية الالتفاف حوله وذلك بذكر أسماء ذويهم من النساء ضمن قائمة المطالبين بالتأسيس دون أن يكون لهم دور فعلي في ذلك .

إنها معضلة صعبة الحل ولا شك.

لا يخفى على أحد أن كل هذا الاحتراز و المخاوف هي بسبب الأحزاب المتطرفة والتي لا تقبل بوجود الآخر فكل من ليس معها هو ضدها بالضرورة وأظن أنه على المعنيين بإعداد صيغة قانون الترخيص الجديد الانتباه إلى السؤال السابق والتعامل مع الأمر بموضوعية وحكمة. في حال قام شخص “معروف ومشهور وله حجم أتباع كاف” تسمح له ديماغوجيته أو تُـقيته بتقديم طلب تأسيس لحزب يرفع شعارات من النوع الذي تقبله الحكومة في الترخيص ويستوفي الشروط المطلوبة فهل سيتم الترخيص له مع العلم أن مثل هذا الشخص لن يكون قادراً على إخفاء نواياه الحقيقية لكن شروط الترخيص تنطبق عليه فما العمل عند ئذ وكيف سيتم التعامل مع مثل هذه الحالة وحصولها وارد جداً.

إن رفضت السلطات المختصة قبول الترخيص ستكون أثبتت وجهة نظر المعارضين الذين يزعمون أن كل ما حصل هو مجرد مماطلة وخطوات تجميلية فقط لا غير وإن سمحت بالترخيص ستقع فيما كانت تخشاه وتتجنبه لأكثر من أربعين سنة وهي التي قاومت بضراوة وجود أي حزب يمكن أن يخطف الأضواء علماً أن هذا المنع والممانعة كان من أكثر الأسباب التي ساهمت في رواج الأحزاب التي تتسم بطابع ديني حيث كان الدين هو الحجاب الذي تلبسه أحزاب سياسية في مضمونها دينية في ظاهرها وهذه الأحزاب هي جلَّ ما تخشاه السلطة اليوم وتتحاذق في وضع العراقيل أمامها.

وكان من الأسهل كثيرا على السلطة السماح بنمو طبيعي لأحزاب مختلفة المنابت والمشارب ضمن إطار قانوني ورؤية وطنية الأمر الذي كان سيؤدي بالضرورة إلى خطف الأضواء وتقاسمها بين هذه الأحزاب والأحزاب الإسلامية التي تخشاها السلطة اليوم.

مصادر
موقع الرأي (سوريا)