بتوقيع بسيط، بمذكرة، صحح وزير العمل طراد حمادة فضيحة لبنانية متمادية كانت تقضي بتنظيم اضطهاد المدنيين الفلسطينيين في لبنان. مارس الرجل، مشكوراً، صلاحيته فارتفعت أصوات كريهة تحذر من المخاطر.

كشف الإجراء كم ان الأمر كان سهلاً. أي انه كشف كم ان الوضع السابق كان تمييزاً وبشعاً. ربما بات علينا، الآن، ان نستذكر اسماء الوزراء الذين توالوا على هذه الحقيبة في مرحلة ما بعد “اتفاق الطائف”. سنكتشف الحقيقة المروّعة التالية: لقد كانت الحقيبة، لسنوات مديدة، في عهدة وزراء ينتمون إلى الحزبين القومي الاجتماعي أو البعث العربي الاشتراكي “أسعد حردان، عبد الله الأمين، علي قانصو، عاصم قانصوه”، أي إلى حزبين شديدي الصلة بدمشق و“وحدويين” لفظاً إلى أبعد حد.

لماذا حصل ما حصل؟ ولماذا كان علينا انتظار التحولات الأخيرة حتى نشهد نهاية هذا الفصل المعيب، أو، بالاحرى بداية النهاية؟ ففي عز “عروبة” لبنان، وفي ظل وزراء الأخوة القومية، وفي ظل المواجهة مع إسرائيل، وفي ظل رفع رايات القضية الفلسطينية عالياً، كان المدنيون الفلسطينيون يتعرضون إلى تنظيم منهجي لبؤسهم. كنا نحب القضية ونكره شعبها! لا يفسر هذا الوضع الخلاف السياسي مع ياسر عرفات، الممتد من توقيع اوسلو حتى حصار المقاطعة. انه تفسير اقبح من ذنب. كلا، يجب البحث من أجل فهم هذه “المفارقة” في الاسباب التي تلغي عنها طابع “المفارقة” وتجعل منها عملاً سياسياً مقصوداً وواعياً وبارداً. يتبادر سببان إلى الذهن: الأول ان هناك من قرر ترك بعض الاوضاع آسنة حتى يتمكن من التحكم فيها. ان هذه هي الصيغة البائسة لما يسمى “الامساك بأوراق تفاوضية”.

الثاني ان هناك من حاول إرضاء “حلفاء” لا ترتاح قاعدتهم إلى التوجه المعتمد من قبلهم في ما يخص العلاقة مع سوريا ودعم المقاومة. لقد تم توفير “عدو عربي ومسلم” يمكن التصويب عليه من أجل تبرير العلاقة مع الصديق العربي (سوريا) ومع المقاوم المسلم “حزب الله”. أي إن اضطهاد الفلسطينيين كان “حاجة أيديولوجية” تشكل جزءاً من منظومة السيطرة المعقدة على الوضع العام.

كان لا بد، في هذا السياق، من استخدام “التوطين”، حتى الغثيان، بصفته الفزاعة النموذجية. “رفض التوطين” شعار عنصري معاد للشعب الفلسطيني. ليس رديفاً لشعار “حق العودة”. إنه، بالاحرى، نقطة التقاء بين مصالح مفترضة للبنان ومصالح مؤكدة لإسرائيل. لبنان لا يريد الفلسطينيين وإسرائيل لا تريد عودتهم. المخرج، والحالة هذه، هو “التشتيت” فيربح لبنان الإبعاد وتربحه معه إسرائيل. ولم يتوان مسؤولون لبنانيون سياسيون وروحيون عن القول جهاراً إن “بلاد الله” واسعة إلى حد انها تتسع للفلسطينيين. وشعار “رفض التوطين” هو فزاعة لأن الموضوع غير مطروح اصلاً ولو ان أوساطاً أميركية تحدثت عنه. ففي المفاوضات الفعلية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي تلك التي شارك فيها الأميركيون مباشرة، جرى التوصل إلى مجموعة نتائج موثقة. منها، مثلاً، إعطاء الأولوية للاجئين الفلسطينيين في لبنان. ومنها ضمان حق العودة الجزئية جداً إلى أراضي 48 “لمّ الشمل” وإلى الأراضي المحتلة عام 67، وإلى الأراضي الممنوحة للدولة الفلسطينية المقبلة بحكم التبادل.وإلى ذلك جرى التوافق على إجراءات استيعاب في بعض بلدان الهجرة. وإذا افترضنا ان كل ما تقدم تحقق فإن الفلسطينيين الباقين في لبنان سيكونون رعايا دولة عربية يخضعون لما يخضع لهم غيرهم من قوانين. إلا ان ما حصل في لبنان هو الخلط المقصود بين “رفض التوطين” و“رفض التجنيس”. الأول موقف عنصري. الثاني يمكنه ان يكون مقبولاً بحكم التوازنات اللبنانية الهشة وعدم الرغبة في المساس بها. مع العلم ان ذلك لا يجوز له ان يحذف من جدول اهتمام الديموقراطيين اللبنانيين الدعوة الى اقرار قانون للتجنس خاصة ان البلد بلد هجرة، وخاصة ان معظم الحكومات المتشكلة لدينا متشكلة من وزراء يحملون جنسيتين... على الأقل!

من المحزن جداً ان نكون انتظرنا إلى هذا الوقت من أجل البدء بمعالجة هذا النقص الفاضح. وليس مستبعداً ان تكون محظورات قد سقطت بحكم حاجة سوق العمل في لبنان إلى اليد العاملة الفلسطينية بعد النزوح الكثيف لليد العاملة السورية. وبهذا المعنى فإن الوجه الآخر للقرار الأخير قد يكون إعطاء الإذن لأرباب العمل اللبنانيين باستغلال العمالة الفلسطينية! جاء القرار في ختام المرحلة الانتقالية التي يعيشها لبنان وعشية استلام الأكثرية الناشئة مقاليد الأمور. ومن المتوقع، في المرحلة المقبلة، ان يكون العنوان الفلسطيني حاضراً في المشهد السياسي اللبناني بقوة. فالقرار 1559 الذي يطالب بتجريد “الميليشيات” من سلاحها إنما يقصد المخيمات، إلى جانب “حزب الله”. وليس مستبعداً ان تلجأ “دول الوصاية” إلى “تقسيط” تنفيذ هذا الشعار عبر الضغط على الجانب الرخو. والجانب الرخو هو، بالضبط، الجانب الفلسطيني. ففي ما يخص سلاح “حزب الله” يمكن للمرء ان يتوقع ممانعة رسمية لبنانية أعلى ولو مؤقتاً. كما ان حصيلة الانتخابات وتحالفاتها، فضلاً عن القوة الرادعة ل“الحزب” نفسه، قد تقنع “دول الوصاية” بتأجيل الطرح العملاني للموضوع. أما في الوضع الفلسطيني فإن قابلية السلطة الوطنية لتلقي الضغوط أكبر وكذلك فإن “شرعية” بقاء السلاح اضعف. لا مجازفة في إطلاق التوقعات حول احتمال طرح عنوان “السلاح الفلسطيني” في لبنان كصيغة مداورة للإيحاء ببدء تطبيق ما تبقى من 1559. وسيكون مطلوباً، والحالة هذه، فصل القرار الخاص بالعمالة عن أي توجه ذي علاقة بالسلاح وبحث الموضوع الأخير بصفته مستقلاً عن الحقوق المدنية ومرتبطاً بالوضع العام لدرجة انخراط لبنان، من موقعه الراهن، في الصراعات المندلعة في هذه المنطقة.

مصادر
السفير (لبنان)