أسوء ما نشهده في التكوين السياسي السوري هو افتراض وجود تيار معارض!! حيث يقودنا الأمر إلى النظر إلى المساحة السياسية على أنها مجال حيوي للمنافسة، أو النقاش والحوار .. بالطبع هناك تيار معارض على الأقل في التصريحات والبيانات الموزعة على الإنترنيت، وهناك أيضا معارضة في حلقات المقاهي التي تجمع النخب .. وهناك عالم افتراضي معارض في أذهان الشارع.

وأسوء ما نشهده في التكوين السياسي السوري هو بقاء التيار المعارض ضمن العالم الافتراضي، حيث يطالب الدولة بالمشاركة لكنه لا يلامس الشارع الاجتماعي، وليس السياسي. وغياب المعارضة ليس نتيجة تاريخية، كما يسرح بنا البعض، لظرف سياسي طويل. فغيابها عن الشارع الاجتماعي نتيجة لحالة التأسيس الأولى لمفاهيم الحزب السياسي والمجتمع السياسي وربما النخب السياسية.

هذه الحالة لا يمكن فصلها عن البوادر الأولى لما أطلق عليه “عصر النهضة” .. فهي انطلقت بالنخب وانتهت بالنخب محققة المعادلة التراثية الأساسية في فصل المجتمعات إلى “عوام” و “خواص”. وربما ستستمر هذه الحالة طالما بقي المأزق الثقافي داخل المجتمع الذي يعتبر الثقافة السياسية هي "حالة حزبية"، وأن التيار السياسي يحدد الأولويات والآليات وربما “المصلحة الاجتماعية”.

غياب المعارضة يحتاج بالفعل إلى إعادة تأسيس المصلحة الاجتماعية من جديد، وعدم اعتبار الهدف السياسي مقدمة لتحقيق المصلحة الاجتماعية بل العكس. لأن حركة الحداثة على الأقل أوجدت الأهداف السياسية بناء على المصالح الاجتماعية الناشئة في عصر الأنوار الأوروبي.

ليس الهدف اليوم النيل من “التيار المعارض” أو حتى من توجهات الدولة، فهذه المسألة هي أبعد ما تكون عن صورة المصالح الاجتماعية لمستقبلنا، لكننا نهدف أساسا إلى إثارة مسألة “المصلحة الاجتماعية” كمفهوم يحتاج إلى حوار وتطوير.. وإلى رسمه وفق مفاهيم الحداثة وليس على أساس التفكير التراثي .. وربما إذا استطعنا وضع ملامح أولية نكون أعدنا صياغة الرابط الحقيقي بين المجتمع وحركة النخب ثقافية كانت أو اجتماعية.