غريبة جدا هذه الاستباحية التي تعرضت لها بيروت ومدن لبنانية اخرى بالرصاص الابتهاجي لحظة اعلان فوز الرئيس نبيه بري برئاسة رابعة للبرلمان اللبناني, فقد دلت، الى الآثار المأسوية التي خلفتها بسقوط قتلى وجرحى من جراء اطلاق النار، على ان الوجود الميليشيوي الطائفي في لبنان «خلية نائمة» يتم استحضارها بأي مناسبة مفتعلة لتوجيه رسائل الى من يهمه الامر.

النتيجة كانت محسومة قبل الجلسة بايام، ومنصب رئاسة المجلس النيابي اللبناني يفترض ان يكون منصبا للسلطة التشريعية بكل اطيافها لا لطائفة من يتولاه، بل ان نبيه بري تحديدا هو آخر من يجب ان يعاني انصاره من عقد نقص تترجم استعراض قوة تكتسح هيبة الشرعية اللبنانية، هذه الشرعية التي اكتشف امراء الطوائف والمناطق بعد كل سني الحرب انها الضمانة الوحيدة لهم وللمجموعات المؤيدة، بل لخصوصياتهم المذهبية والثقافية مهما ساهم الخارج في دعمهم بين فترة واخرى.

وحتى في موضوع «الخارج»، اي في الموضوع السوري تحديدا، لا بد من الاشارة الى ان نبيه بري سلف دمشق اكثر مما سلفته، وليس سرا ان الود بينه وبين النظام السوري الحالي غاب في مراحل كثيرة ولم يرق في اي شكل من الاشكال الى العلاقة التي ربطت بري بالرئيس الراحل حافظ الاسد الذي اعتبر «ابو مصطفى» ابنا من ابنائه نتيجة موقفه في «انتفاضة 6 شباط» وبعدها في حرب المخيمات التي خاضتها حركة «أمل» ضد الفلسطينيين بالنيابة عن سورية, بمعنى آخر، فإن الرئيس بري كان المساهم الاساسي في اعادة سورية الى بيروت بعد الاجتياح الاسرائيلي، وفي حروبها الاقليمية التي خاضتها «بالواسطة» في لبنان، والمساهم الاكبر في تنفيذ خطة حل الميليشيات ودمج بعض افرادها في القوات المسلحة اللبنانية تنفيذا لاتفاق الطائف، والمساهم الرئيسي في الحفاظ على التعايش السياسي بين الطوائف والمجموعات لا يقطع خيطا حتى في قمة مشاكسته ولا يرضى بوصول اي مواجهة بين الرؤساء الى مرحلة قطع الخيوط,,, وفي النهاية صارت مبادرات بري الوطنية من بكركي تلغى بتصريح من وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، وصارت حركته الشعبية مرهونة بالادارة الغريبة العجيبة التي اعتمدها مسؤولو الملف اللبناني في دمشق وادت الى التمديد للرئيس الحالي اميل لحود، ويعرف انصار بري قبل غيره حجم التسويات التي فرضت عليه سواء في الانتخابات البلدية او النيابية المتعاقبة او في المشاريع والقوانين التي اضطر الى الموافقة عليها,
اذاً، نحن امام إطار لا يعيش عقد نقص، اطار يترجم كلام العلامة السيد محمد حسين فضل الله بان الشيعة في لبنان يعزلون “بفتح الياء” ولا يعزلون “بضم الياء” لانهم لبنانيون اولا وعرب ثانيا، بل لانهم اثبتوا - مع قدرهم الجغرافي الذي وزعهم على الحدود جنوبا وشرقا - انهم من اكثر اللبنانيين لبنانية في حماية الارض والتصدي للاحتلال الاسرائيلي ومن اكثر العروبيين عروبة في حماية الخاصرة السورية وبالتالي العمق العربي.

هذا الكلام قد لا يعجب البعض، خصوصا بعض الشيعة الذين يصرون على التعامل مع كل حدث وكأنهم معنيون بمجرياته كطائفة لا كفصيل سياسي، ومطالبون بتبرير او باظهار قوة، فحتى اللحظة لم يجد احد تفسيرا لتقدم رموز شيعية صفوف السياسة والاعلام بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري مدافعين عن صيغة سلطوية وتركيبة امنية ليسوا المستفيدين الاساسيين منها، ومعارضين تحقيقا دوليا واقالة رؤساء الاجهزة وتشكيل حكومة محايدة وانسحابا سوريا,,, ثم يحصل عمليا كل ما كانوا يعارضونه فيختلط الموقف السياسي بموقف الطائفة وتبرز الى الواجهة «المسألة الشيعية» التي تشكلت من تحرك سياسي وشعبي صوته مرتفع من جهة ومن تحرك سياسي آخر خافت الصوت من جهة اخرى يعتمد الهمس في كواليس الاجتماعات بأن «التعامل مع الشيعة يجب ان يحظى بخصوصية معينة» وان «علينا ألا نشعر الطائفة باليتم نتيجة انسحاب سورية ومفاعيل القرار 1559 الداخلية الداعية الى نزع سلاح المقاومة».

لا توجد «مسألة شيعية» في لبنان ولا يريد الشيعة ان تكون لديهم «مسألة»، وهم اثبتوا هذه الارادة من خلال تفوقهم في الذوبان في المؤسسات الدستورية والتزامهم الدقيق لاتفاق الطائف، واتفقت القوى السياسية بمعظمها على ابقاء سلاح «حزب الله» خارج اطار بحث القرار الدولي لانه سلاح مقاوم وليس سلاح ميليشيا، وتراجع الحديث عن جزر امنية وهيمنة حزبية وسياسية وشهد المراقبون الدوليون بنزاهة العملية الانتخابية في العمق الشيعي جنوبا وبقاعا,,, ثم اتى الرصاص المبتهج (المبرمج) اثر اعادة انتخاب بري (المحسومة سلفا) رئيسا للسلطة التشريعية، ليكشف حجم السلاح الموجود خارج نطاق الشرعية الامنية وحجم المأساة التي يمكن ان يتسبب بها، وليوجه رسالة كان الكثيرون في غنى عنها وأولهم ابناء الطائفة الشيعية.

مصادر
الرأي العام (الكويت)