انعقد المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث في اوائل الشهر الجاري,وقد رُسِمَ في بعض الاذهان رؤى واحلام. وانتهى المؤتمر وقد انطفأت تلك الرؤى والاحلام,وما كان لها ان تتحقق في نظامٍ, يقع الشعب في اخر اهتماماته ,سواء كان من خطط هو قيادة حزب البعث او الاجهزة الامنية. فهذا المؤتمر لم يكن في وارده ان يفعل شيئا للشعب السوري, والا لكان الرئيس او الحزب فعل شيئا قبل المؤتمر, فلم تكن تنقص الصلاحيات قبل المؤتمر لاتخاذ القرارات التي حلم بها بعض الحالمين.

الذين يعرفون كيف يفكر سدنة النظام السوري يؤكدون ان المؤتمر القطري لم يكن لمصلحة داخلية, بل لم يكن حاجة بعثية في ارجح الاحتمالات, وان تمت دحرجة كثير من الرؤوس القديمة. فقد كان المؤتمر ,بالدرجة الاولى, رسالة موجهة الى خارج الوطن الى اميركا مؤداها: «الى من يهمه الأمر... نحن هنا.. وما لم يصل الامر الى ان تستبدلوا بنا نظاما اخر.... فإننا مستعدون للدفع والتنازل, ولا يهم الثمن .... اوكازيون...».

أوليس هذا هو مفهوم ما جاء في البيان الختامي للمؤتمر من ترحيب نظام حزب البعث بالتعاون مع اميركا, الا اذا تحولت اميركا, في نظر البعث, الى “سبيل” يشرب منه العطشى من الشعوب الفقيرة?. ولكن لسوء حظ اصحاب الاوكازيون فقد جاء الجواب على غير ما يتمنون, وعلى لسان “رايس” في جولتها الاخيرة عند ما قالت لعدد من الوزراء الاوروبيين: (ان النظام السوري لم يفهم كل الرسائل والكلام الذي ابلغ اليه من الولايات المتحدة مرارا). (ما بين الهلالين من تعليق رندة تقي الدين في الحياة 24/6/2005 ).

واستطرادا, فان ما ورد على لسان الرئيس بشار في افتتاح المؤتمر من ان قرارات المؤتمر القطري ستكون نابعة عن الهم اليومي للوطن والمواطن, قد يكون أمنية ورغبة كامنة في نفوس المؤتمرين. وقد تكون للاستهلاك المحلي او كما يقال “على عينك يا تاجر”.

فقد كان دائما هم نظام حزب البعث هو المحافظة على موقعه في السلطة, ولا تنبع القرارات من حاجة الوطن والشعب اليها, لانهما -الوطن والشعب- في اخر اولويات هذا الحزب. والقرارات والقوانين, على كل حال, لا تصدر للحاجة اليها, بل لاغراض اخرى, غير التي تصدر من أجلها القرارات والقوانين في الدول التي تاتي حكوماتها صدى لرغبة شعوبها, وتصدر قراراتها في مصلحة تلك الشعوب.

وفي المنقلب الاخر, فقد كان الالتفات الاخر لمؤتمر الحزب هو قطع الطريق على اي توجه نحو الفئات المعارضة, وخصوصا جماعة الاخوان المسلمين. ومع انه ساد نوع من الهدنة بين النظام السوري وهذه الجماعة منذ مجيء الرئيس بشار الاسد الى الحكم بسبب عقلانية الطرح الذي اعتمدته هذه الجماعة في خطابها, فقد كان مفاجئا ما ورد من اشارات عدوانية غير مبررة تجاهها, من خلال ما تسرب وما اعلن من توصيات نحو الجماعة.

وقد كان المتفائلون يتوقعون ان تصدر توصية بالغاء القانون 49 لعام 1980 الذي يحكم بالاعدام, خصوصا وان النظام كان يسعى الى تحسين صورته في مجال حقوق الانسان امام الراي العام العالمي, الذي يعتبر ان هذا القانون يشرع لقتل الانسان البريء بسبب انتمائه الذي كفلته كل الدساتير. ولم تكن تنقص الرئيس حافظ الاسد -عند اصدار هذا القانون- الوسيلة للاجهاز على خصومه الاسلاميين, حيث كانت اجهزة الامن تعتقل كل من هب ودب, وماكينة الاعدام تقوم بعملها داخل المعتقلات وفي الشوارع بعد سحب الضحية من بيته, وقد كان ذلك اكثر من كافٍ حتى يقول القائل “انج سعد فقد هلك سُعيْد”.ومع ذلك فقد صدر ذلك القانون الشائن ,الذي يحكم بالاعدام على مجرد الانتماء ,فقط, لجماعة الاخوان المسلمين, لماذا ?.

ومع ما أسلفنا, لم تكن هناك حاجة الى سن هكذا قانون ,الذي يذكر بمحاكم التفتيش التي حكمت اوروبا في القرون الوسطى, ولكنها الارادة الفردية التي كانت تسيطر على عقل الحاكم المستبد الذي اراد ان يقول للشعب السوري: ان القانون هو ما امر به. وان وظيفة المؤسسات لا كما جاء في الدستور المكتوب بل كما اريد انا: “ما علمت لكم من اله غيري”.

وفي مواجهة الضحالة التي تكشفت عنها نتائج المؤتمر, قد تسمع من يقول لا بد من مؤتمر قطري كالية تشرع للامور الهامة. لقلنا لم يكن هناك قرار واحد هام صدر عن المؤتمر, كما ان الالية لم تكن تُعْوِز الرئيس, فقد كان هناك دائما مجلس للشعب صُنِع للتصديق على هكذا قرارات, وعلى سبيل المثال لم يكن هناك مؤتمر قطري عندما صدر , بمرسوم واحد, العفو الرئاسي عن اكثر من مئة ألف مجرم وحرامي في عام 2001 ,ولم يكن فيهم معتقل سياسي واحد من معتقلي الرأي.

لقد كانت هناك مئات المراسيم التي صدرت في العهد الجديد, ومنها ما تم بموجبه الغاء المحاكم الاقتصادية, حتى “تسرح وتمرح” مجموعة “الاربعين حرامي” ,مع علاء الدين او بدونه, على هواها في البلد.اما ان يصدر عفو عام عن اكثر من مئة الف من المهجرين واولادهم وازواجهم ,فهذا فيه خراب البصرة عند النظام السوري. لان فيهم اطفال المنفيين الاسلاميين الذين صاروا شبابا, ولابد ان يحسب النظام الف حساب قبل ان يسمح بعودتهم.

لذلك لم يكن مستغرَبا ان تصدر في ثنايا توصيات مؤتمر “البعث” بعض الجمل المتناثرة التي تشير من طرف خفي الى ان جماعة الاخوان المسلمين خط احمر. غير ان معد التوصيات لم يجرؤ ان يجعلها توصية محددة قائمة بذاتها, حتى لا يقول قائل هاهي جماعة الاخوان المسلمين ما تزال تشكل في ذهن حكام البعث هاجسا مؤرقا للنظام.

لقد شعر قادة النظام بالهلع يملك عليهم افئدتهم عندما قرئت في منتدى الاتاسي رسالة المراقب العام لجماعة الاخوان المسلمين المحامي “علي صدر الدين البيانوني”. ومع ان مجرد قراءة الرسالة في المنتدى كان كافيا ليثير غيظ قادة النظام وخوفهم, فان ما اشعرهم بالخوف الحقيقي ما قوبلت به قراءة الرسالة من تصفيق حاد, حتى ان من حضر المنتدى من البعثيين لم يملكوا انفسهم ان يصفقوا مع من صفق لقراءة الرسالة, بعد ان لامست اوتارا في افئدتهم كانت مخدرة بما ينالونه من منافع تاتيهم لقاء التزامهم مع حزب البعث.

قد يضحك البعثيون على صغار المنتمين لحزب البعث الذين استفادوا من انتمائهم لهذا الحزب بتعيينهم في وظائف هامشية لا يأتيهم منها الا "قوت من لا يموت". وهؤلاء البعثيون انفسهم لا يصدقون ما جاء في التوصيات, ولا يستطيعون ان يجعلوا الشعب السوري يصدق كل ما قيل في المؤتمر وكل ما صدر عنه.

فمع ما هو معروف عن تزييف النظام السوري للحقائق, فقد استغرب المراقبون الصاق صفة الاستقواء بالاجنبي بجماعة الاخوان المسلمين, مع ان هذه الجماعة هي اول من ندد بمن يفعل ذلك, عندما تم تضمين البيان الختامي لمؤتمر المعارضة الذي انعقد ,بدعوة من هذه الجماعة, في لندن عام 2002 :“وانه لا يستقوي بالاجنبي الا من هانت عليه نفسه”.

مصادر
السياسة (الكويت)