سيبدو جوابه أشبه بطرفة, عندما سئل عن أحوال القرية. قال بحزن وكأنه ينقل خبر وفاة عزيز: صار لدينا طائفية. ذهل الحضور, لكن سرعان ما ضحك الحاضرون باستغراب: أي طائفية إذا كان جميع أهل القرية مسيحيين؟

القرية موضوع حديثنا تقع على الحدود السورية ­ اللبنانية, على ضفة نهر العاصي حيث المزار المتقشف للسيدة العذراء, على مقربة من دير مار الياس «مير الحي» جوسيه, حيث تسترخي بدعة وهدوء, يعكره بين عقد وآخر, طلقات نار الثأر في صراعات عائلية باتت مألوفة, تتجدد بين فترة وأخرى, لكن لم تعرف القرية يوماً أي شكل من أشكال الطائفية, كسائر بلدات تلك المنطقة والتي يقطنها خليط من الطوائف المسيحية والإسلامية, فما بالنا بقرية يمارس أهلها طقوسهم وشعائرهم بحرية تامة, ويتمتعون بأجواء اجتماعية ذات خصوصية منفتحة ومتحررة, يزينها صبايا وشبان يزرعون ضفاف العاصي بخطواتهم الناهبة للحب والحياة, في مشهد يتضاءل إلى حد الندرة في بلدات أخرى ذات أجواء محافظة, أو منغلقة لا تتيح الاختلاط على هذا النحو بين الجنسين. وإذا كان ثمة ما يعاب عليها, فهو انفرادها عن سائر قرى المنطقة بعادة الثأر العائلي, التي حصدت بعضاً من خيرة شبابها, في ظاهرة تتناقض مع الدين المسيحي «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر» ومع طبيعة الريفيين في تلك المنطقة, الذين اعتادوا فض نزاعاتهم عبر المصالحة ودفع الدية. فمن أين جاءتنا الطائفية؟ يفسر صديقنا الأمر بأن التصريحات الطائفية للزعماء المسيحيين في لبنان, أصابتنا في مقتل, وظهر عداء لم نعهده بين الكاثوليك والموارنة من أهل قريتنا!!

فإذا كانت الطائفية داخل القرية المسيحية المجاورة للحدود السورية اللبنانية أحد تداعيات الحدث اللبناني, فثمة طائفية أخرى اشد خطورة تمتد خفية وبضراوة في مجتمعنا كأحد تداعيات الحدث العراقي, فنشرات الأخبار منذ نحو ثلاث سنوات وهي تكرر وتعيد «سني­ شيعي» عشرات المرات على مدار الساعة لتحيي الطائفية الميتة, فما بالنا بالنائم منها؟ هذا من ناحية تأثير التكرار اللفظي, ولم نتحدث عن الدعاية المبرمجة الموجهة ضد الإسلام, بالتركيز على تقسيم الإسلام إلى متسامح وآخر متطرف, وفق مقياس العلاقة مع أميركا وتقبل مشروعها في المنطقة. ما خلق تشظيات داخل مجتمعات الدول الإسلامية, على مستويات عدة تتمثل خطوطها العريضة بإسلام رسمي «مستنير» وإسلام شعبي «راديكالي». خطان يخوضان مواجهة مرعبة منذ 11 أيلول /سبتمبر/ وإطلاق أميركا الحرب الدولية على الإرهاب, تفاقمت بعد الحرب على أفغانستان, وجاءت وقائع العراق الدامية, لتبث الخوف من الفوضى والدمار في المنطقة, على وقع حرب نفسية أميركية مستشرية وماكرة. بالتضافر مع عملية غسل دماغ ثقافي, استدعت المقاومة أو الاحتماء بالعشيرة أو الطائفة أو العائلة, خصوصا ان التيارات الفكرية التقدمية اليسارية التي كان بإمكانها تشكيل درع حماية قوي لموزاييك مجتمعاتنا, جرى تدميرها بشكل ممنهج منذ الستينيات على يد القوى الدولية, على غرار ما يجري اليوم لتدمير التيار الإسلامي المقاوم الذي يحاول جمع المسلمين حول هدف واحد.

وعلى سبيل المثال, مثلما تم ضرب شعلة التيار القومي, وتحويلها من شعلة لفكر تقدمي رفيع, بتسويقها على أنها فكر متخلف قاصر, بدلاً من العمل على تجديده, بحيث بات يُوصف المتمسك به بالتحجر. يتم الآن تغذية التدين كتيار جارف, ببث الفرقة بين مكونات المجتمع الواحد لتضرب بعضها بعضاً, عبر استهداف الإسلام بتفتيته إلى مذاهب متناحرة وتعميم الارتداد إلى الطائفية الضيقة, وانغلاق كل فئة على نفسها, بانتظار تفجير موقوت, تضع شروطه الظروف الإقليمية.

ولعل أسوأ ما تفرزه الأوضاع الراهنة عجز المثقفين أمام الردة الطائفية المتعصبة. فالمثقفون العلمانيون الذين تجرأوا في الستينيات على انتقاد ظواهر التدين, بل وفيهم من بشّر بقرب «نهاية الدين»؛ تلاشت أصواتهم, ومنهم من توارى محتمياً بطائفته, وآخرون يدافعون عن التدين والمتدينين حرصاً على مواقعهم, أما من آثر منهم الانكفاء والصمت السلبي على الجهر بموقفه الرافض, فلم يعد له مكان في وطن بدأ ينقسم على نفسه. من نافل القول, ان شعار «الدين لله والوطن للجميع » لا معنى له حين تستباح الأوطان, إذ تغدو الطائفة لا الله الأمل الوحيد للخلاص الفردي. وحين تتنصل النخب السياسية من مسؤولياتها, تكرس الخوف والهشاشة, وحين لا تقاوم عين الثقافة مخرز الانحطاط, تنهار مناعة المجتمع.

الطائفية الزاحفة على المجتمع السوري المعروف بتسامحه وتعايشه, لا تُرد لأسباب إيمانية, بقدر ما هي إحدى تمظهرات الذعر والشعور بعدم الأمان, من كارثة آتية يعِدُ بها مشروع إعادة رسم حدود المنطقة. مشروع لن يستقيم ما لم تفكك بشكل كامل الخريطة القائمة بكل مكوناتها الجغرافية والبشرية والثقافية والسياسية. عملية وصفها أصحاب المشروع بـ«الفوضى الخلاقة». إلا أن ما لا بد من تأكيده أن المجتمع السوري الذي كان له شرف إحباط المشروع الأوروبي للتقسيم الطائفي بداية القرن, لا يزال قادراً على مقاومة الطائفية في بداية هذا القرن, طالما فيه أشخاص أياً كان حجمهم يخجلون من الطائفية, ويحزنون لظهورها في محيطهم, ويستنكرون إذ يتهمون بها. ومع هذا ينبغي ألا نتفاءل كثيراً, لأن الاعتماد على التفاؤل وحده, لا يبشر بحل, طالما هناك من يعمل بجد على نشر ثقافة الطائفية.