خطة فك الارتباط عن غزة هي خطوة يضطر لتأييدها كل من يعتقد ان اسرائيل ستحكم على نفسها بالزوال أخلاقياً وسياسياً إن هي واصلت التمسك بخارطة المستوطنات الحالية. ولكن من الصعب عدم رؤية حقيقة أن هذه العملية مجزأة ومبعثرة من دون تفكير استراتيجي شامل. فأصحاب هذه الخطوة لا يعتبرونها جزءاً من خطة شاملة أكثر اتساعاً للتسوية السياسية التي توصل اسرائيل الى الحدود الدائمة المعترف بها. في نهاية المطاف يشترك السياسيان البارزان في اسرائيل اليوم ارييل شارون وشمعون بيريس في الموقف القائل ان اسرائيل ليست ملزمة بالسعي للتسوية الشاملة وانهاء الصراع.

النتيجة الأكثر اثارة للاستغراب المترتبة على هذه العملية العفوية هي تمكين مصر من احداث تغيير جوهري في اتفاقية السلام مع اسرائيل من خلال تجيير الاحتياجات الأمنية الاسرائيلية. هذا التغيير سيمس بدوره عنصراً مركزياً في الرؤية الاسرائيلية للسلام مع الدول العربية: مبدأ فصل القوات. القوات المصرية بأعداد لا بأس بها ستنتشر قريباً على طول محور فيلادلفي ومن ثم سنراها على امتداد خط الحدود حتى ايلات جنوباً. الاستعداد للانجرار نحو التغيير ذي الابعاد الاستراتيجية العميقة في اتفاق السلام مع مصر من أجل اشباع حاجة تكتيكية مثل الانسحاب من غزة ـ يدل على تفكير سياسي غير سليم.

المصلحة المصرية في ذلك واضحة. اتفاق السلام الذي يحظر نشر قوات مصرية في سيناء وخصوصاً قرب الحدود الاسرائيلية يشكل مساً بالسيادة المصرية وهي مسألة كان من الصعب على مصر دائماً ان تهضمها. حقيقة استعداد مصر للمخاطرة باحتكاك مباشر مع الفلسطينيين وما سيترتب عليه من آثار صعبة على المستوى الداخلي في مصر هي التي تدل على عظم المصلحة المصرية الكامنة في تحطيم مبدأ فصل القوات. مصر مستعدة حتى في الوقت الحالي على الأقل بأن لا تطالب اسرائيل بضمانات للمراحل القادمة من عملية السلام كشرط لنشر قواتها.

هذا لا يعني أن على اسرائيل أن تبقى في محور فيلادلفي. فرفضها العنيد لقبول نشر قوات متعددة الجنسيات في القطاع وعلى طول محور فيلادلفي يمكنه أن يكون مكوناً من قوات تابعة لدول صديقة ـ هو الذي يقودها الى هذه الخطوة الخاطئة من حيث الجوهر في مواجهة مصر. إحجام اسرائيل عن ادخال قوات متعددة الجنسيات الى غزة نابع أيضاً من حقيقة أن الأسرة الدولية ستوافق على ارسال قوات فقط اذا ما أوضح لها أن غزة هي مقدمة لعملية سلمية شاملة ومتفق عليها وهذا ما لا يوافق عليه شارون. هو يعرف أن خريطة الطريق تقود الى تسوية شاملة في المسار الذي لا يرغب به ولذلك احجم على الدوام عن الولوج في الطريق الذي يوصل اليها.

الاتفاق بين مصر واسرائيل في أن ابعاد القوات من الحدود سيتم في المستقبل بموافقة الطرفين هو خاطئ أيضاً. ان كان لا بد من أن ينتظر الجيش المصري على امتداد الحدود فقد كان من الأجدر التقرير بأن اعادة الوضع الى سابق عهده هي مسألة تخص اسرائيل وحدها، ذلك، لأن حسني مبارك هو اليوم الحاجز الأخير أمام صعود الديموقراطية الاسلامية المعادية لسدة الحكم ومثل هذا النظام لن يسارع الى التنازل عن هذا التحسن الجوهري في مكانة مصر في سيناء. الخطوة خاطئة لسبب آخر. اسرائيل تعمل دائماً على تطوير علاقات طبيعية مع جاراتها بمعزل عن القضية الفلسطينية. عظمة مبادرة السلام التي قام بها السادات تكمن في تحرير الموقف المصري من كونه رهينة للمشكلة الفلسطينية ونشر القوات المصرية الآن يجتذب مصر الى خضم الصراع الفلسطيني الاسرائيلي مرة أخرى.

كل مجابهة بين القوات المصرية والمهربين الفلسطينيين خاصة المخربين منهم سترفع على الفور من وتيرة التوتر بين الدولتين. موت جندي استرالي في فيلادلفي قد يكون حدثاً محزناً الا ان مقتل جندي مصري هناك قد يتحول الى أزمة سياسية وربما عسكرية.

ماذا سيحدث عندما يتضح للجميع أن غزة هي كل ما سيقدمه شارون؟ هل سيتمكن المصريون من مواصلة "الحفاظ على امن اسرائيل" في محور فيلادلفي في الوقت الذي تواصل فيه هذه الأخيرة خطواتها احادية الجانب وتوسع معاليه أدوميم والكتل الاستيطانية وترسم الحدود الدائمة من دون مقاومات؟ هل ستبقى مصر مكتوفة الايدي في ظل المقاومة الفلسطينية العنيفة لهذه الخطوات التي ستحظى بالقبول والشرعية من العالم العربي كله؟

ان كانت الأمور ستسير بهذا الاتجاه فان اسرائيل ستجد نفسها في وضع استراتيجي أشد خطورة وجسامة من ذلك الذي ساد قبل الانسحاب من غزة: "مجابهة جديدة مع الفلسطينيين في الضفة سرعان ما ستنزلق حتى غزة بينما يكون الجيش المصري قد حطم القاعدة الفولاذية في السياسة الأمنية الاسرائيلية مبدأ فصل القوات وانتشر ولو بأعداد صغيرة على طول الحدود.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)