ربما افهم الأسباب الكامنة وراء هجوم مشايخ السلطان أو ممن ندعوهم تجاوزاً مثقفو السلطة على رموز المعارضة وأعضاء منظمات حقوق الإنسان في سورية لتشكيل خلفية سوداء لتعسف السلطة ضد هؤلاء الناشطين ، ولكن الذي لم افهمه هجومهم على المفكرين والباحثين السوريين من أمثال البروفسور برهان غليون،إذ طالعتنا نشرة كلنا شركاء على مدى الشهر الماضي بمقالات تهاجمه بحدة لكل من السادة “منذر الموصلي ونصر الشمالي وخالد العبود .” المقالة الأولى كانت من السيد منذر موصلي ونشرت بتاريخ 13/5/2005 بعنوان « برهان غليون يبشر بسقوط النظام ويبني تحليله على هذه الفرضية المزعومة ( 2 / 3)» فبعد أن أعطى السيد موصلي دروسا للدكتور غليون يعلمه فيها كيفية التخاطب ،اتهمه بالتشاطر و التلاعب بالألفاظ ، والسذاجة، ولينتقل بعدها لإعطاء المواعظ للمثقفين السوريين متهماً إياهم بأن" مثقفينا عندهم ثقافة سياسية من منطلقات إعلامية إذاعية أو صحافية أو تلفزيونية فحسب " واسترسل في ذلك حتى وصل إلى أن غليون ذاته « ما كتبه لا يدل على انه مطلع على الوضع الإقليمي والدور السوري فيه , ولا يعرف عن سورية ونظام الحكم فيها بالقدر الكافي» وليصل أخيرا إلى « أن الدكتور برهان غليون لا يتحدث كمعارض يطالب بالإصلاح ويقدم الأفكار السياسية والإصلاحية بل يتحدث كمعارض يهدف إلى إسقاط النظام» .

وعلى ما يبدو أن مقالة الموصلي لم ترضه او ربما لم ترض أسياده فكتب معلقة أخرى بتاريخ 23/6/2005 بعنوان "نحن مع القائلين بالإصلاح وبالديمقراطية وبالانفتاح ولكن ليس على حساب الوطن وأمنه وسلامة أبنائه «ولا اعرف من يقصد بكلمة نحن ؟ حيث اتهم في تلك المقالة صراحة د. غليون بالعمالة وخونه وطلب من السلطة اعتقاله قائلاً» وهانحن نطالب الحكومة بفتح تحقيق واسع ضد هؤلاء وإحالتهم للمحاكمة العلنية وعلى رأسهم أيضا المدعو برهان غليون الذي تجاوز مع آخرين حدود القانون وحدود الأخلاقيات في حملاتهم الجائرة والوقحة , وكذلك الادعاء على هذه الاقنية الفضائية والرد عليها وفضح ارتباطاتها المالية والسياسية , انطلاقا من حق الدولة في الدفاع عن كرامتها وعن سمعتها ومساءلة هؤلاء الموتورين " -ونلاحظ أن السيد موصلي مصمم على كلمة نحن - ،ثم انتقل السيد موصلي ليعمم المطالبة بالاعتقال قائلاً «والتشدد أصبح مطلوبا في مواجهة من يريدون به شرا حيث الميوعة استشرت وكذلك التسيب السياسي» .

وطبعاً هذا ليس بجديد على الدركي السابق قبل أن يتحول إلى مخبر حالي إذ حاول دائما استنهاض حمية السلطات باعتقال المثقفين والمفكرين السوريين ، وعلنا نذكر دعوته السابقة لاعتقال د. عبد الرزاق عيد بتاريخ 23/8/2002عبر مقالة كتبها في صحيفة النهار آنذاك عندما كان عضواً في مجلس الشعب السوري .ولعلني أذكركم أن أسياده أيضا عانوا من شطحاته حتى أن رئيسه في مجلس الشعب السيد عبد القادر قدورة اتهمه بأنه صاحب نفس أمّارة بالسوء .

ألا يعلم هذا الدركي العتيد انه عندما كان يكتب تقاريره الأمنية في الستينيات كان البروفسور غليون يّدرس العلوم السياسية لأبناء مختلف الجنسيات في جامعة السوربون بباريس ، وربما كان الأجدر بالموصلي أن يوفر نصائحه بطريقة الخطاب ليعمل بها قبل ان يوزعها على الآخرين وكان الأجدر به أن يخجل قبل اتهام غليون بعدم المعرفة بالشأن السوري وهو المفكر صاحب الكتب العديدة عن سورية ، مع العلم أن غليون لم يصنف نفسه يوما في صفوف المعارضة ،وكان على الدوام يحتفظ بمسافة متساوية مع الجميع مكتفيا بدور الناقد من موقعه المحب لسورية ، ولا يخفى على احد انتقاد بعض رموز المعارضة لغليون كان آخرها انتقاد البعض من مشاركته ببعض المساهمات في نشرة كلنا شركاء باعتبار أن صاحبها بعثي مقرب من السلطة.

أما كلام الموصلي عن التخوين والدعوة لاعتقال المثقفين فيأتي في سياق هجمة أصدقاء الموصلي على المثقفين الذين فضحوهم وقلموا أنيابهم الناشبة بعد أن كانت البلاد مرتعا لنزواتهم ، ناهيك عن حقدهم الشخصي تجاه من افقدهم امتيازاتهم التي تقلدوها دون وجه حق في العهد السابق ، وربما هي من جانب اخر غطاء للاعتقالات التي قامت بها السلطة للناشطين في الاونة الاخيرة حتى لونت اللجنة العربية لحقوق الانسان شهر أيار باللون الاسود لكثرة الاعتقالات فيه.

ولعل الأستاذ الموصلي بدعوته لاعتقال غليون يغذي هذه الروح ويعزز حضورها في المجتمع بدل أن يكون في طليعة من يحتكم إلى الحوار والسجال لتفنيد كل ما يراه غير صحيح أو غير موضوعي فالدكتور غليون طرح رأيه بوضوح وعلانية وأشار إلى أخطاء وتجاوزات من جانب بعض مؤسسات الدولة وأجهزتها والى رأي لمسه عند بعض الشبان في ظل انسداد الأفق السياسي.ومثل هذا الحديث يجب أن يناقش بعناية ويبحث عن أسبابه وجذوره إن كان هناك ثمة هدف بتقدم البلاد على طريق الإصلاح ، وكنت أتمنى من الأصولي التكفيري منذر الموصلي أن يناقش مضمون مقالات د. غليون بدل انشغاله في السباب والحشو الذي تعلمه عندما كان يكتب التقارير ، فمن يحرص على هيبة الدولة وسمعة الوطن يجب أن يسر عند الكشف عن مواطن الخلل والضعف في مؤسسات الدولة ، كما أن صوابية هذا الرأي أو ذاك يحدده الحوار بين الآراء المختلفة لا الإلغاء والقمع ، هذا إذا افترضنا "أن ما كتبه الموصلي كان من وحيه ولم يوحَ إليه ".

المقالة الثالثة كانت للكاتب نصر الشمالي بعنوان مخاطر العرض الناقص عن الليبرالية والديمقراطية و نشرت بتاريخ 11/6/2005 ، وتميزت بانها أكثر موضوعية ، إذ ناقش فيها الكاتب وجهة نظر غليون وحاول نقدها بتقديم وجهة نظر مختلفة، ربما اتفقت مع اغلبها ، إلا انني اختلف مع الكاتب في مبدأ الطرح إذ أن الموضوع الرئيسي للكاتب هو التفريق بين الديمقراطية والليبرالية متهماً غليون بأنه يدعو لليبرالية الديمقراطية من دون أن يعرف شروط تطبيقها وآثارها الاستعمارية السلبية ، وتابع " انني مقتنع بأننا لسنا على عتبة الديمقراطية بعد" ولا اعرف ما الذي يجعله مقتنعاً بذلك ، فهل نحن شعب لا نستحق الديمقراطية كما يروج البعض ؟ وهل الديمقراطية من العنصرية بمكان لتختص بشعب دون غيره ؟ واضاف الأستاذ نصر " إن جبهات المقاومة هي طريق الحرية الذي يقودنا إلى الديمقراطية، فلا ديمقراطية قبل سلوكه ولا طريق سواه. غير أن السّعار الهذياني الليبرالي الديمقراطي بلغ اليوم حداً جعل البعض يعتبر المقاومة معوّقاً لتحقيق الديمقراطية !" ...هذا الكلام ذكرني بالشعار سيء الصيت -لا صوت يعلو فوق صوت المعركة- والذي كان من نتيجته إخراس كل الأصوات وخسارة كل المعارك ، فهل من موجب للتناقض بين الدعوة للديمقراطية الليبرالية مع الدعوة لمقاومة المحتل ، لقد أصبحنا وراء كل الشعوب باسم المشروعية الثورية ، فكل التجارب السابقة أثبتت أن التحرير لا يصنعه سوى أناس ديمقراطيون متحررون ولنا في تجربة حزب الله مثلا يحتذى ،وكذلك مثل العراق الذي سقط تحت الاحتلال لان من يحميه كانوا من العبيد ، وقديما قيل لعنترة كر فقال : العبد لا يكر، فقيل له : كر وأنت حر