يبدو أن مشكلة لبنان مع النظام السوري أن الاخير يرسم العلاقات الثنائية بين البلدين على أساس خيار من اثنين: إما أن يكون لبنان دولة تابعة ومذوّبة وطعماً لمافيات مشتركة تنهب موارد البلاد ومؤسساته الخاصة والعامة، وتفرض خوات لبناء ثروات شخصية تفوق ثروات شيوخ الخليج وامرائه، وعند ذلك تكون العلاقات الاخوية ممتازة ومميّزة ولا مشكلة فيها، وسوريا “تضحي من اجل لبنان وتقدم الغالي والرخيص في سبيل لبنان الشقيق”. وامّا أن يكون لبنان ساعيا للاستقلال، ولاستبدال نمط العلاقة التي سادت في السابق بآخر يقوم على الاحترام المتبادل، وعلى حرية لبنان واستقلاله وسيادته مقفلا مزاريب النهب اللبنانية – السورية المشتركة، ومحررا المؤسسات من نظام الخوات الذي لا يزال يعمل حتى اللحظة كأن شيئا لم يتغيّر. وعند ذلك يكون لبنان مشروع بلد عدو يجب الضغط عليه وعلى اقتصاده، والعودة الى الأساليب الماضية من قطع مقنّع لطرق المواصلات من أجل التدخل في الشأن الداخلي اللبناني، كما هو حاصل منذ بضعة ايام في منطقة الشمال على معبر العبدة الحدودي، حيث مئات الشاحنات تمنع من العبور الطبيعي بذريعة التفتيش الدقيق الذي يتسبب بخسائر كبيرة للتجار والمزارعين اللبنانيين.

ان هذا الاسلوب في الضغط على لبنان ليس جديداًً . ومعلوم انه يستهدف التدخل في عملية تأليف الحكومة، ولا يستهدف صون الأمن بين البلدين. فما الذي تغيّر في اقل من شهرين حتى تقوم السلطات السورية بهذه الاجراءات غير المنطقية والمبالغ فيها؟ هل يريد النظام في دمشق ان يزيد من التشنج الذي يخيم على نظرة كثر في لبنان؟ ام انه يريد حقا ان يعيد بناء علاقة صحية وسوية بين البلدين؟ هذا هو السؤال المطروح على القيادة السورية التي يفترض بها ان تدرك ان لبنان كما كان في الاعوام الخمسة عشر الماضية لن يعود، وان نظام الوصاية الذي كان قائما في السابق بات في حكم الماضي، ناهيك بأن المافيا المشتركة التي تترنح اليوم في شقها اللبناني لن تقوم لها قيامة بعد ان يتم الانتهاء من مزاريب الخوّات التي انهكت بلادنا. ان دمشق مطالبة اليوم بأن تصحح نظرتها الى شقيقها الاصغر لبنان. فلا هو بلد سليب، ولا مجتمعه مؤلف من مجموعة لقطاء يمكن امتهان كراماتهم من دون حسيب او رقيب. ولا هو ساحة للنزاع بين سوريا والآخرين. انه بلد يريد ان يعيش بسلام مع جيرانه.

ان العلاقة التي لطالما نادينا بها بين البلدين لن تستوي الا بتحقق عدد من الشروط هي:

– انتهاء التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري واثبات عدم ضلوع النظام السوري في اي مستوى فيها.

– وقف التدخل السوري في الشؤون اللبنانية الداخلية في اي مستوى (عدم جواز ان يتكرر ما حصل خلال الانتخابات النيابية الاخيرة). وهذا يبدأ بوقف التنسيق من خارج الاطار الرسمي مع قيادات لبنانية تابعة لنظام الوصاية السابق والاكتفاء بعلاقة تمر عبر المؤسسات وتبتعد عن لعبة الترغيب او الترهيب، عدم استقبال القيادة السورية مسؤولين رسميين لبنانيين من دون تفويض الحكومة اللبنانية الرسمي (مثلا قائد الجيش، ثم حاكم المصرف المركزي).

– محاذرة استخدام اساليب الضغط على الاقتصاد اللبناني بغية تطويع الارادة اللبنانية، او انتقاما من انتفاضة الاستقلال، ونتائج الانتخابات الاخيرة ولا سيما في الشمال.

– خلاصة الأمر ان على القيادة في سوريا اجراء مراجعة جدية وعميقة في مقاربتها للعلاقة مع لبنان على قاعدة ان الشقيق الاصغر بلد مستقل له كرامته الوطنية التي لن يعود الى التنازل عنها لأي جهة. ان النظام السوري مطالب بالبحث عما يجمع بين البلدين مرة جديدة في بوتقة العلاقة المميّزة والسليمة على اساس الندّية.

اما السؤال الأهم فهو، هل يرغب هذا النظام في اجراء هذه المراجعة النقدية الجدية والعميقة ضنّا بمستقبل العلاقة بين شعبين شقيقين؟ مسألة فيها نظر!

مصادر
النهار (لبنان)