يحتل حزب البعث السوري موقعاً يؤهله أكثر من غيره للإصلاح الوطني. فالحزب المكون من قرابة مليوني عضو (11% من السكان) ينتشر في جميع ارجاء البلاد، وينتسب له سوريون مدنيون وعسكريون، مدينيون وريفيون، يتحدرون من مختلف الجماعات الأهلية المكونة للشعب السوري. ويسيطر منتسبون للحزب على مرافق الحياة العامة في سوريا جيمعا دون استثناء، بما في ذلك المدارس والجامعات والنقابات. ودون أن يكون الحزب دينيا، فإنه بعيد عن أن يكون معاديا للدين. وهو حزب عربي عروبي، يجمع بين أعضائه مسلمين ومسيحيين، وسنيين وعلويين واسماعيليين ودروزاً.. قبل أن يستولي على السلطة، واجتذب حتى أكرادا وسريانا بعد استيلائه عليها، بالخصوص في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد.

بيد ان احتلال حزب البعث ذلك الموقع المحمي بحالة طوارئ هي الأقدم عالمياً وبقوانين استثنائية تحمي سلطته وليس شعبه، وما يرتبط بهذا الموقع من امتيازات ومكاسب، قد أفسد الحزب وجعله فاقد الإرادة الإصلاحية وغير قادر على بلورة أي نوع من أنواع الاستراتيجية الوطنية للإصلاح. تقول معلومات حزبية إن نسبة من يشاركون في اجتماعات هيئات الحزب يتراوح بين 5 و10 % من أعضائه. وتقول المعاينة المتكررة كل يوم إن الناس لا ينتسبون للحزب بل يتم تنسيبهم إليه، مكرهين أو طامعين، وأن سيطرته على الحياة العامة تحصلت بوسائل تمزج الإكراه والإغراء ولا يشغل الاقناع بينها غير دور ثانوي، وأنه يحتكر الجيش وأجهزة الأمن ويسيسهما، وأن كون الحزب غير ديني وغير معاد للدين يعكس كونه أداة حكم فاقدة لأي نوع من المبادئ الفاعلة، وأن عروبته ممسوحة الملامح لا تترتب عليها أية حقوق إيجابية للمواطنين العرب بينما يقصى منها مواطنون آخرون، وأنه إذ فرّق العرب عن غيرهم فإن النظام الذي حكم باسمه فرق عربه ذاتهم وميّز بينهم، وأن هناك فارقا بين حزب البعث بوصفه أحد الأحزاب السورية، وربما أهمها، وبين “الحزب القائد للدولة والمجتمع” الذي يحمي سلطته بالاستثناء والقوة، والذي لا يضيره ما يفعل، وقد فعل الكثير مما هو ضار إن فتحنا السجل التاريخي بموضوعية.

لقد دلل حزب البعث نفسه على حساب السوريين، وأفسده الدلال. بات يعتبر السلطة حقا طبيعيا له بصرف النظر عن قدرته على تحليل مشكلات البلد المحكوم واقتراح الحلول الفعالة لها. وأظهر درجة من التعصب تفوق التعصب المنسوب لتنظيمات دينية وأحزاب عقيدية. وألف أن يمنح لنفسه الحق في الحكم على وطنية السوريين وإخلاصهم، رغم ان كبار الفاسدين متحدرون من صفوفه، ورغم أن إخفاقه في حل قضايا وطنية يفوق نجاحه.

وبذلك تحول حكم حزب البعث إلى حكم رجعي يدافع عن امتيازات ومواقع غير عادلة. وكف منذ وقت طويل عن توفير العدالة والمساواة والأخوّة للسوريين. بل إنه يحتل موقع طليعياً في التمييز بينهم. وإذ لم يعد قادرا على النقاش المتكافئ مع المواطنين، صار يلجأ إلى سجن وتعذيب منتقديه ونظام حكمه.

وبفعل الدلال تدنى مستوى أكثرية المنتسبين له على الصعد الفكرية والسياسية والأخلاقية والمهنية. والتدني هذا هو أثبت قوانين نظام الحزب الواحد الذي يفضل الولاء على الكفاءة، ويمنح الصدارة للواشي على الأمين وللمتزلف على النزيه وللمنافق على الكريم. وقد بلغ التدنى مستوى حرجا جعل الحكم البعثي يراكم "الأخطاء" بتسارع غير مألوف ويعجز بالمقابل عن إصلاح حتى القدر القليل الذي يعترف به هو بالذات منها.

بالجملة، أضحى الحكم البعثي عاجزا عن وضع استراتيجية لانتشال البلاد من وضع مأزقي على الصعد الاقتصادية الاجتماعية والوطنية الاستراتيجية والسياسية الحقوقية. التفاوت الاجتماعي يتعمق، البلاد تضعف أكثر واكثر في مواجهة أعدائها، حقوق المواطنين غير مصانة والتمييز بينهم راسخ.

وفوق ذلك لا يبدو أن البعثيين يدركون أن غياب استراتيجية للإصلاح الوطني والخروج من المأزق أخطر من المأزق ذاته. وأنه حين سيدفع البلد ثمن الفراغ الإصلاحي لن يكونوا هم بمنأى عن دفع الثمن (اعني بالبعثيين دوما السلطة البعثية التي جعلت الحزب أداة معدومة الشخصية لحكمها). يبدو أنهم يظنون أنهم إن أبقوا طريقتهم في الحكم كما هي يتجنبون المخاطر المرتبطة بالتغيير. لكن هذا الظن يعني التسليم بخسارة زمام المبادرة، ويجعل كلفة التغيير الذي بات محتوما أصعب وأشد كلفة في المستقبل. اليوم هو خطر على بعض عناصر النظام، غداً سيغدو خطراً على البلد ككل.

كل ذلك جعل حزب البعث غير مؤهل لقيادة التحول السوري نحو نظام جديد يطلق معدلات التنمية ويضمن العدالة للشعب ويستعيد الجولان المحتل ويقوّي الرابطة الوطنية بين السوريين ويمكّن البلاد من الثبات في مواجهة تحديات الهيمنة الأميركية الصارخة. ورغم أن مطالب التنمية والعدالة واستعادة الجولان وتمتين الوحدة الوطنية... هي ما يعلن الحكم البعثي أنه يعمل من أجلها، فإنه لم يظهر الحد الأدنى من الجدية لمقاربتها. فمن يكون هذا مسعاه يعمل بمقتضاه. ومن يريد الثبات في وجه مخاطر إقليمية ودولية كبيرة لا مفر له من بناء تحالف وطني عريض يساعد البلاد على الثبات. ومن يريد استعادة أرض محتلة وتحرير مواطنين من الاحتلال يعامل شعبه بالحسنى. ومن يريد التنمية والعدالة يضرب على يد الفاسدين المفسدين. ما يجري هو العكس تماما: تثبيت الانفراد بالسلطة، وضرب المعارضة والتشكيك بها، ومكافأة الفساد بدلا من مكافحته، والإمعان في غرور السلطة الذي أوصل البلاد إلى المأزق الحالي.

أعلم أني أظهر سذاجة غير محمودة حين أتحدث عن تحديات خارجية ينبغي أن تواجه بثبات داخلي وما إلى ذلك. سذاجة من يظن أن النظام إذا كان لا يعمل بمقتضى المخاطر التي تواجه البلاد فلأنه لا يدركها تماما أو لأنه أساء تحليلها أو ما شابه. “لكنها ضريبة ضرورية من أجل خاطر المناقشة”.

بل يدركها جيدا. لكن للنظام أولويتان. الثانية منهما صون كيان البلد، والصمود أمام.. والوقوف في وجه.. وتمتين... وتحصين.. مما تسعى إليه دول الأرض جميعا عند الضرورة، وإن بلغة أكثر مدنية وأقل ابتزازا لمواطنيها. أما الأولوية الأولى فهي بقاء النظام واحتفاظه بموقع الهيمنة والتحكم بالدولة والموارد الوطنية. ككتلة مليونية، حزب البعث أداة لتحقيق هذه الأولوية؛ وكإيديولوجية وطنية مطلقة، عقيدته تفيد في تحجيبها وإظهارها في شكل غيرية مطلقة مبرأة من الأنانية. وبالخصوص في إظهار المواجهة والصمود شروطا وجودية ضرورية وليست شروطا تاريخية سياسية. وراء ذلك، إذا ترجمناه إلى لغة صدق، رغبة في الخلود في السلطة ولا شيء آخر.

ضعف البلد استراتيجيا، تدني معدلات النمو، استشراء الفساد وانتقاله إلى مواقع الهجوم،... كلها ثمرات محتومة لأولوية البقاء غير المقيدة وغير المشروطة. لكن النظام بات أسير أولويته هذه، ولم يعد قادرا على الخروج عليها أو تقييدها فحسب. أعني بالتقييد إما ربطها بمحددات دستورية أو ممارستها عبر شراكة داخلية، إشراطها زمنياً او سياسياً. فمن شأن أي من هاتين الصيغتين ان تحرر النظام ذاته من أسر البقاء على قيد البقاء المطلق. أن تجدد شبابه كذلك. لكن أيا منهما تقتضي ان يظهر بعض اطراف النظام إرادة للتحرر من الحرية المطلقة التي يتمتع بها النظام ككل على حساب السوريين. اي كذلك إرادة لمواجهة الذات ومقاومة عناصر التخريب والنهب والانحطاط داخل النظام ذاته. بكل بساطة يصعب أن ينجو النظام ككل. يحتاج إلى أن يكون أرشق وأخف حركة ليبقى.

لم يظهر مؤتمر حزب البعث الأخير علائم إرادة واضحة للانتصار على الذات. لم يتبين أن التضحية بأعضائه الأفسد، وحدها، تساعده على تجديد سبل بقائه، وأن الشراكة وحدها قد تساعد البلد المحكوم على التجدد. مصرا على امتطاء عربة البقاء وحيدا، سوف يتبين له انها لا تقود إلا إلى الهاوية.

مصادر
المستقبل (لبنان)