عندما اندلعت الانتفاضة الأولى، كشف الجيش الإسرائيلي عن سلاحه السري: كلّما كان ثمة خشية من حصول مظاهرة أو مواجهة عنيفة، سحب ضابط من جيب بزته كاكية اللون ورقة مستنسخة ورفعها في وجه المراسلين، المصورين وطواقم التلفزة، معلناً “منطقة مغلقة”. وعندما لا يتم استيعاب الرسالة، كان يُعثر دائماً على جندي يرفع كفّ يده الفظة ليضعها على عدسة آلة التصوير.

احتاج الجيش الإسرائيلي وقتاً طويلاً الى أن استوعب الرسالة: إبعاد الصحافيين لم يخفف من ارتفاع لهيب النيران. وفي حالات قليلة فقط قُتل فلسطينيون بنيران الجيش الإسرائيلي في أماكن كان يتواجد فيها صحافيون. لكن الأحداث الأكثر خطورة وقعت تحديداً بعيداً عن عدسات التصوير. واتضح أن حضور وسائل الإعلام ربما يؤجج الخواطر أحياناً، لكن النار تشتعل من دونهم أيضاً.

كان لسياسة المنطقة المغلقة ثمن باهظ. فمشاهدو التلفزة في الخارج رأوا بشكل خاص الجيش الإسرائيلي وهو يحاول يائساً إخفاء أفعاله. والرسالة المعلنة والمضمرة كانت واضحة: على ما يبدو، ثمة شيء ما غامض يحصل وراء الحواجز. من جهتها، قامت شبكات التلفزة الأجنبية بتزويد السكان بآلات تصوير فيديو صغيرة كي يوثقوا المواجهات والأحداث الأُخرى. هذا الأمر شكّل العبرة الثانية: في عصر وسائل الإعلام الحالي لا يمكن إخفاء الواقع.

أكثر من عقد ونصف انقضيا منذ ذلك الحين. وإذا كان ثمة من استخلص عبراً من تلك الأيام، فإنه يصرّ على نسيانها الآن. فالخطة التي يجري تبلورها قبيل فك الارتباط تعكس محاولة من قِبل المؤسسة الأمنية لتكرار قسم كبير من الأخطاء، كما لو أننا لم نتعلم شيئاً. وهم يعدوننا بأه سيُسمح فعلاً بدخول مُنضبط للمراسلين والمصورين الى غزة وشمال الضفة، على أن يكون برفقة ممثلين عن الناطق باسم الجيش. لكن خلال لحظات الإخلاء الفعلية ستُفرض قيوداً على نشاطاتهم كي لا يعيقوا عملية الإخلاء. وعلى الأقل، فإن هذا الأمر سيحصل، بحسب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، في حالة “السيناريو المتطرف” للأحداث المعقدة والإشكالية.

إن محاولة فرض نوع معين من القيود على تغطية صميم عملية فك الارتباط، في حال حصولها فعلاً، هي أمر مثير للغضب، إشكالي وغير عملي أيضاً. فللجمهور، الأزرق والبرتقالي على حد سواء، الحق الكامل في تلقي التقارير الكاملة بشأن تطور الأحداث، عبر البث الحي ومن خلال عدسات التصوير أيضاً. ففعل الإخلاء هو الجزء الأكثر أهمية في العملية التي هي موضع خلاف، ومن الواجب السماح بتغطية إعلامية كاملة له ومن دون قيود. لكن فضلاً عن ذلك، فإن مثل هذه القيود ليست غير مبررة فحسب، بل إنها غير حكيمة أيضاً. فالهاتف الخلوي لا ينقل اليوم الأصوات فقط، بل الصور أيضاً. وبدل تلقي تقرير من قبل مراسل مهني يقوم ببث التقرير من منزل المُخلين في نتساريم، سنحصل على بث موجه من قبل مستوطن، هذا من دون الحديث عن شبكة الإنترنت التي عرفت كيف تتغلب على الأنظمة التي أرادت إخفاء معلومات عن العالم.

وكما يحصل دائماً في الحالات التي لا يكون فيها للصحافيين صلة مباشرة، ستمتلئ البلاد بالإشاعات. وفي قلب المواجهة سيكون هناك من سيحاول تأجيج الأجواء ونشر الادعاءات عن حصول عنف من قبل رجال الشرطة والجنود على سبيل المثال. فمن يملك القدرة على سكب الزيت وإلقاء المسامير على الطرقات، قادر أيضاً على نشر الشائعات السيئة التي لا أساس لها من الصحة. ثمة سبيل واحد لمنع حصول تصعيد خطير: وجود غير مُقيّد للصحافيين على الأرض، وتحديداً في النقاط الأكثر حساسية.

مصادر
معاريف (الدولة العبرية)