فجأة ومن دون مقدمات، تتحول سوريا إلى ساحة من ساحات المواجهة بين النظام والجماعات الإرهابية، فأنباء القتل المتبادل وتفكيك الشبكات الإرهابية والاشتباكات على الحدود مع مجموعات المتسللين، تتحول إلى مادة يومية للإعلام تثير الاهتمام والتساؤل.

بعض المصادر ترى أن سوريا تفتعل هذه المواجهة لغرضين: الأول، توجيه رسالة إلى الغرب عموما والولايات المتحدة على وجه الخصوص مفادها أن سوريا أيضا في حالة اشتباك “وليس رعاية” مع الإرهاب، وأن «القيمة المضافة» التي وفرتها دمشق في الحرب الكونية على الإرهاب بالأمس لا تقدر بثمن، وهي كذلك اليوم وستبقى كذلك غدا. أما الهدف الثاني للمواجهة المفتعلة وفقا لأصحاب هذه النظرية، فهو توجيه رسالة للداخل مؤدّاها أن دمشق في حالة «طوارئ» بعد أن قرع الإرهاب بابها ولم يعد يكتفي بالمرور من حولها، وأن مواجهة الإرهاب تستوجب تشددا أمنيا لا انفراجا ديمقراطيا، لا سيما بعد أن تحرك المجتمع السوري المدني والسياسي في العامين الأخيرين كما لم يفعل طوال أربعة عقود من المراوحة والركود.

والحقيقة أننا لا نجد مثل هذه التفسيرات مقنعة أبدا، فكثيرة هي الدول التي حاولت “تحييد الإرهاب” وإبعاد كأسها الدامية عن فمها، لكنها لم تفلح في نهاية المطاف، فأنت تستطيع أن تحيد بعض الجماعات الإرهابية بعض الوقت، ولكنك لن تستطيع تحييد جميع هذه الجماعات طوال الوقت، حدث ذلك مع بعض الدول الخليجية، وحدث مع بعض الدول النفطية غير الخليجية، وها هو يحدث اليوم مع سوريا. والمراقب عن كثب للحراك النشط للجماعات الاصولية والجهادية التي تتكاثر كالنبت الشيطاني في مشارق الأرض العربية ومغاربها، يدرك أن بعض هذه الجماعات قد توصلت مؤخرا إلى نتيجة مفادها أن النظام السوري راحل لا محالة، فإن هو استمر في «لعبة التكيف مع الشروط الأمريكية»، استحق العقاب الالهي على يد هذه الجماعات، وإن هو بقي على تردده واستمرأ «لعبة تقطيع الوقت»، استحق العقاب الدنيوي على يد الولايات المتحدة وحلفائها، وطالما أن الأمر كذلك، فبيدي لا بيد عمرو.

ويخلص من يراقب هذه الجماعات إلى نتيجة أخرى مؤدّاها، أن هذه الحركات بدأت تولي اهتماما متزايدا للساحات الشامية، وأن التنظيم الذي يحمل اسم «جند الشام للجهاد والتوحيد»، ليس «فبركة» استخبارية سورية خالصة، وإن كان قد استخدم للتغطية على بعض الأحداث الإرهابية في لبنان مؤخرا، وأن جذور هذا التنظيم تعود إلى «معسكر هيرات» الذي يعد بحق محطة هامة في مسيرة أبو مصعب الزرقاوي.

الخلاصة أن سوريا تجد نفسها اليوم، ملتحقة بقائمة «ساحات الجهاد الأصولي» بعد انقضاء فترة شهر العسل الطويل الذي عاشته منذ نجاحها في توجيه ضربة قاصمة الظهر للإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، على أن الإشارة تجدر هنا إلى أن فترة شهر العسل المنقضية، لم تكن بلا خلافات وتناقضات، كما أن مرحلة الاشتباك الساخن التي تطل برأسها، تحتمل بدورها بعض الهدنات والتهدئات، التي قد تمليها التقاءات تكتيكية في الحسابات والمصالح، في هذه الرقعة أو تلك، شرقا أو غربا.

مصادر
الدستور (الأردن)