احتدم الجدل بيننا نحن سجناء الحركة الوطنية السورية عام 1983( في سجن كفر سوسة التابع لإدارة المخابرات العامة ,) ما بين مؤيد للسياسة السورية في لبنان ومعارض لها . وقد كنت انا والمرحوم سالم قداح والصديق جهاد مسوتي قي مقدمة المدافعين عن تلك السياسة , ورأينا في اسقاط اتفاق 17أيار نصرا كبيرا ليس للقيادة السورية فقط بل لحركة التحرر العربية التي تناضل ضد المخططات الصهيونية والامبريالية .

ذلك اليوم بالذات أصبت بوعكة صحية رافقتها نوبة كآبة حادة , كان المرحوم – ابو بسام – يدللني مثل ابنه . سهر بجانبي طوال الليل وقد حاول مواساتي مؤكدا ان ايامنا في السجن اصبحت معدودة . قلت له هنا مكمن الداء يا أبا بسام , لقد علمتني خبرتي مع هذه القيادة بان كل انتصار تحققه على اعدائها واعدائنا يترافق مع مزيد من الابتزازلنا تحديدا ونحن الآن بين يديهم .

لم يطل بنا الزمن حتى وجدنا انفسنا أحدى الليالي نشد الرحال خارج السجن , وكان المرحوم سالم يصر اننا ذاهبون الى سجن مدني , ولم يصدق اننا في طريقنا الى تدمر حتى اصبحنا في باحة التشريفات واللكمات تأتينا من كل الجهات .

كانت رسالة كما فهمنا فيما بعد , موجهة عبر خمسة من اعضاء حزب العمل الشيوعي وخمسة من اعضاء حزب الشعب الديمقراطي – مكتب سياسي سابقا – الى احزابنا في الخارج كي يكونوا عاقلين . بالطبع فلسفة الرسالة مستمدة من فلسفة الشرعية الثورية التي لا تأبه لظلم الأفراد اذا كان في ذلك تقوية لهيبة الثورة والدولة في عيون معارضيها . من هنا كانت الحكمة في ارسال عشرة أعضاء جميعهم مدافعون عن السياسة السورية آنذاك ( عقوبة الى سجن تدمر )

حزم النظام الجديد امره بعد تردد طال اربع سنوات واتجه نحو تعميق تلك الفلسفة فارسل رسائل عدة قبل وبعد واثناء مؤتمر البعث العاشر, نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر

تناوب في جلسة افتتاح المؤتمر اربعة من اساطين المدرسة النضالية المشهورة بمقارعتها للصهيونية والأمبريالية عبر خطاب خشبي عفا عنه الزمن وجميعهم تجاوزوا الثمانين من عمرهم

وصال بكداش

يوسف فيصل

فايز اسماعيل

عصام المحايري

اقتصاد السوق الاجتماعي وما تلاه من إغناء نظري في الصحف او الفضائيات كون الديمقراطية ليست حريات فقط

الرسالة الأقوى والأهم هي الاعتقالات التي شملت رموز محددة من كافة المحافظات في تلك الفترة . في كل اعتقال رسالة فرعية .

-علي العبد الله – قطنا – رسالة الى المنتديات في مقدمتها منتدى الأتاسي

- رياض عرار- دير الزور . رسالة الى المؤتمرات الوطنية

- حبيب صالح – طرطوس – رسالة الى طويلي الالسن على شبكة الأنترنت

- محمد رعدون – اللاذقية – رسالة الى منظمات حقوق الانسان

محمد حسن ديب – السلمية - رسالة الى الناشطين من المعتقلين السياسيين السابقين

يهمني هنا الرسالة الأخيرة والتي تخص المجردين مدنيا امثال محمد ديب والذين كانوا يأملون ان تنظر القيادة بوضعهم من الناحية الانسانية على الأقل بعد كل استغاثاتهم ومناشداتهم لتلك القيادة لتنظر بما سبب الحكم للموظفين منهم بالتحديد من تشريد لأسرهم وعائلاتهم .

محمد ديب لمن لا يعرفه . سجين سابق من حزب العمل الشيوعي( مواليد عام 1958) لم يكن له فيه أي وضع قيادي . حكم خمسة عشر عاما قضاها جميعها . وبعد خروجه من السجن تمكن بمساعدة اهله من ترميم وضعه ومن ثم الزواج وافتتاح مكتبة صغيرة في السلمية تمكنه من غذاء روحي يبدو انه يحن اليه حنينا ابديا . تعرفت على محمد ديب في مهجع المستوصف داخل تدمرعام 1985 كان شابا نحيلا لا يتحاوز وزنه خمس وخمسين كيلو غراما ,يعصب راسه بقمطة دائمة تخفف عنه آلم مرض الشقيقة – الصداع الدائم – كان يهرب من الحديث معي فقد كنا على طرفي نقيض في الموقف السياسي وقد اثبتت الأيام انه كان على حق وكنت على باطل . ماأذكره ايضا كيف تحرك رغم مرضه ليرأس لجنة اجتماعية تسيير حياة كمونية فيما بيننا كان عقدها مهدد بالانفراط بسبب خلافنا السياسي .

أنا لاأعرف بالضبط ما هو جرم محمد ديب الجديد,ما اعرفه انه لم يحمل سكين تساعده على نشر وجهة نظره . ما اعرفه ايضا ان كثيرون في كل المحافظات السورية فعلوا ما فعل . ولكنها فلسفة الشرعية الثورية التي تذكر بالعشرة المبشرين بسجن تدمر , ترى الم يكن بالامكان ارسال الرسالة عبر شخص غيره كي يبقى بقرب طفله الجديد الذي رزق به بعد سنين عجاف طويلة خلف القضبان ؟! . اليست خمسة عشر عاما كافية لسجين راي سلخت محكمة امن الدولة من عمرة كل تلك السنوات وجردته من حقوقه المدنية باسم معاداته للاشتراكية مع انه من اكثر المتحمسين للاشتراكية ولعدالة قضيته , قضية الفقراء عموما والدفاع عن مصالحهم .

كان العالم في داخل سوريا وخارجها موعودا بنقلة نوعية باتجاه الشرعية الدستورية ولكن النقلة اتت باتجاه تعميق الشرعية الثورية

لا حول ولا قوة الا بالله

مصادر
موقع الرأي (سوريا)