الانفجارات التي وقعت في لندن مثيرة للقلق، لأنها انفجارات وقعت في وطننا الأم واقرب حلفائنا، ومن هنا تكاد تكون مثل انفجارات بلدنا، ولاحتمال قيام انتحاري بتنفيذ إحدى هذه الهجمات، بما يعني وصول هذا السلاح الجهادي الرهيب الى قلب عاصمة غربية رئيسية، وذلك امر مثير للقلق للغاية، لأن المجتمعات المفتوحة تعتمد على الثقة، والثقة بأن الشخص الجالس الى جوارك في الحافلة او في مترو الأنفاق، لا يحيط وسطه بديناميت. ومثل هذه الهجمات تثير القلق ايضا، لأنه عندما ينقل الجهاديون الانتحاريون جنونهم الى قلب مجتمعاتنا المفتوحة، فإن مجتمعاتنا لن تعد مفتوحة كما كانت، فتكون النتيجة فقداننا كلنا بعض الحرية. وهناك جوانب أهم في انفجارات لندن وهي: عندما تقع مثل هذه الانفجارات في الرياض مثلا، فهذه تبدو كما لو أنها مشكلة اسلامية ـ اسلامية، ولكن عندما تقع انفجارات بأسلوب «القاعدة» في شبكة مترو الأنفاق في لندن، تصبح المشكلة مشكلة حضارية.

لقد اصبح معظم المسلمين الذين يعيشون في المجتمعات الغربية مثيرين للشبهة، لأنهم يقتربون من كونهم قنبلة متحركة محتملة. وعندما يقع ذلك، فهذا يعني ان الدول الغربية ستقع فريسة لشن حملات اكثر تشددا ضد السكان المسلمين. وذلك أمر مثير للقلق ايضا. فكلما زادت نظرة الشك في المجتمعات الغربية، ولاسيما المجتمعات الاوروبية الكبيرة، التي تعيش فيها جاليات اسلامية اكبر من تلك في الولايات المتحدة، زاد التوتر الداخلي، وبالتالي زاد استلاب الشباب المسلم المُستلب اساسا، وذلك هو بالضبط ما كان يحلم به اسامة بن لادن وراء أحداث 11 سبتمبر; أي خلق هوة بين العالم الاسلامي والغرب المُتعولم. ولذا فهذه لحظة حاسمة يجب ان نبذل كل ما في وسعنا للحد من التداعيات الحضارية لهذه التفجيرات. ولكن لن يكون الامر سهلا. لماذا؟ لأنه على العكس من 11 سبتمبر، لا يوجد هدف واضح سهل للانتقام منه مع حالة التفجيرات التي وقعت في لندن، إذ لا يوجد مقر واضح للإرهابيين مثل معسكرات تدريب في افغانستان يمكن قصفها بصواريخ «كروز». لقد تبدلت تهديدات «القاعدة»، وأصبحت ذات فروع مستقلة، ولم تعد عمودية بما يمكن من توجيه لكمة لها في الوجه، بل اصبحت أفقية ومسطحة ومنتشرة على نطاق واسع، تعمل عبر الإنترنت وعن طريق خلايا صغيرة. ونسبة لعدم وجود هدف واضح للانتقام منه، ولعدم توفر عدد كاف من أفراد الشرطة لمراقبة كل شبر في هذه المدينة المفتوحة، فالحلول هي: إما ان يبدأ العالم الاسلامي بلجم متطرفيه والسيطرة عليهم وإدانتهم، اذا اتضح انهم وراء تفجيرات لندن الأخيرة، وإما ان يفعل الغرب ذلك نيابة عنهم، علما أن الغرب سيفعل ذلك على نحو متشدد وصارم، بعدم منحهم تأشيرات دخول، واعتبار أي مسلم مذنبا حتى تثبت براءته. ونسبة لأنني اعتبر ان هذه ستكون كارثة، فمن الضروري ان ينتبه العالم الاسلامي الى حقيقة ان هناك هوسا جهاديا، وما لم يحارب هذا الهوس الأشبه بالسرطان، فإنه سيفسد العلاقات الاسلامية ـ الغربية في كل مكان. العالم الاسلامي وحده هو القادر على استئصال هذا الهوس بمنهجه القائم على قتل الآخرين. تُرى، ماذا أعني بذلك؟ أعني ان اكبر كابح للسلوك البشري ليس الشرطة ولا حرس الحدود، وإنما ما يعتبره الدين وتعتبره الثقافة شيئا مخزيا... او ما تعتبره الرموز السياسية والدينية خطأ وغير مسموح به. كثيرون قالوا ان الهجمات الانتحارية الفلسطينية رد فعل تلقائي للشباب الفلسطيني المحبط. ولكن عندما قرر الفلسطينيون ان من مصلحتهم التوصل الى وقف لإطلاق النار مع اسرائيل، توقفت هذه الهجمات. لم تكن هناك إدانة اسلامية قوية لجنون الهجمات المسماة الجهادية، فحتى الآن لم يصدر عالم دين معروف او جهة دينية فتوى تدين أسامة بن لادن. بعض القادة المسلمين واجهوا هذا التحدي، إذ استضاف العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، الاسبوع الماضي، مؤتمرا لعلماء الدين والمفكرين المسلمين المعتدلين الذين يعتزمون استرداد دينهم من الذين حاولوا استغلاله لأغراضهم وتفسيراتهم الخاصة. حافلات لندن وقطارات أنفاق باريس والأسواق المزدحمة في الرياض، وجزيرة بالي والقاهرة لن تكون في مأمن طالما الرموز الاسلامية لم تقدر على عزل المتطرفين الموجودين في أوساطهم وإدانتهم بقوة.

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)