عرضت مجلة «أكسيون» الأسبوعية التركية، في عددها الجديد، لجوانب تكشف للمرة الأولى عن تاريخ التعاون العسكري بين تركيا وإسرائيل، وذلك استنادا الى كتاب صدر حديثا للكاتبة الإسرائيلية عفرا بنغيو، باللغة الانكليزية بعنوان «العلاقات التركية الإسرائيلية»، ويتضمن شهادات مسؤولين أتراك شاركوا في اللقاءات الثنائية مع الإسرائيليين. وفي الكتاب ان “التحالف السري” بين أنقرة وتل أبيب تعود بدايته الى العام 1958 في عهد حكومتي عدنان مندريس ودافيد بن غوريون، واستمر هذا التحالف حتى العام 1966. وتقول الباحثة ان إسرائيل كانت حريصة جدا على اقامة علاقات جيدة مع تركيا لأنها بذلك تكسر عزلتها الاقليمية، وتوازن، كما في العلاقات مع دول الجوار العربي، أي ايران وأثيوبيا، القوة العربية. وعلى هذا الصعيد، قام بن غوريون بزيارات سرية متعددة الى تركيا، أهمها على الاطلاق في 29 آب 1958 حيث عقد لقاء قمة سريا مع رئيس الحكومة التركية عدنان مندريس. وأعدّ العديد من المسؤولين في الجانبين لهذه القمة. من ذلك لقاء وزير الخارجية التركي فاتن رشدي زورلو مرتين نظيرته الاسرائيلية غولدا مائير، واجتماع رئيس الاركان التركي ابراهيم فوزي مينغيتش في روما مع السفير الاسرائيلي في ايطاليا الياهو ساسون. وكان لرئيس الموساد حينها روفون سهيلوا دور مركزي في الاتصالات الدبلوماسية السرية. ونقلا عن رئيس الاستخبارات التركية بين عامي 1964 و1966، سيزائي اوركونت، فإن تركيا أرادت ان يبقى الاتفاق سريا، وان ما لا يزيد عن عشرة اشخاص من مدنيين وعسكريين كانوا على علم به. وتذكر الباحثة ان إسرائيل استخدمت في وثائقها كلمة <<تحالف>> بدلا من “اتفاقية” للدلالة على هذا الاتفاق. ومن الوثائق التي عثر عليها في السفارة الأميركية في طهران عام 1979، ما يؤكد وجود اتفاق ثلاثي بين استخبارات تركيا وإسرائيل وايران عام 1958 ويحمل اسم “Trident”. لكن حتى الآن، لا تعترف رئاسة الاركان ووزارة الخارجية التركية بوجود مثل هذا الاتفاق وتقول المديرية العامة لشؤون الامن في الخارجية التركية ان أول اتفاق أمني بين تركيا وإسرائيل هو الذي وُقّع في 3 تشرين الثاني 1994. السفير المتقاعد ووزير الخارجية التركي السابق ايليتر توركمان يعترف بوجود هذا الاتفاق، لكنه يقول انه كان شفهيا ولم يكن مكتوبا. ويقول توركمان، الذي كان رئيسا لدائرة الشرق الأوسط في الخارجية في الفترة التي حدثت خلالها المفاوضات، ان اللقاءات تمت على مستوى السفراء، وان التطورات اللاحقة حالت دون تطويرها. وتعدد الكاتبة بنغيو العوامل التي دفعت بتركيا للقبول بتعاون أمني وعسكري في إسرائيل كما يلي: الرد على موقف جمال عبد الناصر من حلف بغداد؛ اقامة الجمهورية العربية المتحدة؛ مضاعفة التعاون بين الاتحاد السوفياتي وسوريا؛ الثورة في العراق التي اطاحت بنظام حكم موال لتركيا؛ تصويت العراق ضد تركيا في الأمم المتحدة حول القضية القبرصية، التطور التكنولوجي العسكري لإسرائيل كما بدا عبر احتلال قناة السويس، مع فرنسا وانكلترا، عام 1956؛ اعتقاد مندريس بقوة اللوبي اليهودي في اميركا والبحث عن دعمه؛ دخول ايران في تعاون عسكري مع إسرائيل. ويذكر الكتاب ان إسرائيل اعطت لعلاقاتها مع تركيا شيفرة “ميركافا”، وخصوصية الاتفاق العسكري مع تركيا انه كان الأول لإسرائيل مع دولة أخرى. وان رئيسي أركان الدولتين كانا يلتقيان بصورة منتظمة مرتين في السنة. ووصف رئيس الأركان الإسرائيلي حينها اسحق رابين، العلاقات مع تركيا بأنها خاصة. أما مجالات التعاون التي تضمنها الاتفاق العسكري حينها فهي: تبادل الآراء والمعلومات؛ التعاون والتنسيق في القضايا العسكرية؛ تعزيز الاستفادة من الصناعة العسكرية. وتذكر عفرا بنغيو ان المسؤولين الإسرائيليين حينها عرّفوا تركيا على انها «عين إسرائيل في العالم العربي» وإن إسرائيل وتركيا قد أعدتا خطة عسكرية مشتركة عام 1959 في حال وصل التوتر بين تركيا وسوريا الى مرحلة الصدام. وتكررت اللقاءات العسكرية عام 1959، عبر الزيارة “السرية” التي قام بها رئيس الاركان الإسرائيلي حاييم لاسكوف الى تركيا، وبمرافقة جنرالات آخرين رفيعي المستوى. وفي العام نفسه قام بزيارات الى إسرائيل كل من رئيس الأركان التركي مصطفى رشدي أردلهون، مساعده جودت صوناي (رئيس الجمهورية اللاحق)، قائد القوات الجوية تكين آري بورون؛ قائد القوات البحرية فخري قوروتورك، قائد القوات البرية جمال غورسيل، ايضا تحت عنوان <<سري جدا>>. وفي العام نفسه تم التخطيط لتأسيس قوة بحرية مشتركة موجهة ضد بلد ثالث، حظيت بدعم الاستخبارات التركية. وتذكر الباحثة ان وحدات من الجيش التركي تدربت في إسرائيل، كذلك قام الطيارون الإسرائيليون بتدريبات جوية فوق الأراضي التركية. كما ان إسرائيل استخدمت المجال الجوي التركي لنقل السلاح الى ايران وان قسما مهما من هذا السلاح نقل الى المتمردين الأكراد في شمال العراق بزعامة الملا مصطفى البرزاني، وان قادة القوات المسلحة التركية أخفوا هذه التحركات عن وزارة الخارجية التركية نفسها. وكانت إسرائيل، عبر الاستخبارات الايرانية السافاك تمد المتمردين الأكراد بالثياب والسلاح. وفي العام 1960 التقى رئيس الاركان الإسرائيلي تسفي تسور، متنكرا بثياب البشمركة مع مصطفى البرزاني عند قرية <<بيران شار>> على الحدود الايرانية العراقية بمرافقة عناصر من السافاك. وتكررت المساعدات العسكرية الإسرائيلية للأكراد عام 1963. وفي آب 1965 أقام عسكريون إسرائيليون معسكرات تدريب على السلاح في شمال العراق لرجال البرزاني. إلا ان إسرائيل، تذكر الباحثة بنغيو، رفضت طلبا تركيا بتقاسم المعلومات حول الموضوع النووي. ورغم ان التوتر في العلاقات بين تركيا وإسرائيل قد بدأت بوادره عام 1964 بسبب الأزمة القبرصية، إلا ان التعاون العسكري السري وتبادل الزيارات استمر حتى العام 1966 موعد الانهاء الرسمي لهذا التعاون. فعام 1964 قام رئيس الاركان جمال طورال بزيارة إسرائيل، كذلك زار تركيا رئيس وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال مائير عاميت، وزار قاعدة عسكرية أميركية <<سرية>> في أرضروم. العامل الأساسي في إنهاء <<التحالف>> السري بين تركيا وإسرائيل كان عدم تصويت إسرائيل الى جانب تركيا في الأمم المتحدة حول القضية القبرصية عام 1964. بل ان الرئيس الإسرائيلي زالمان شازار تحدث أثناء استقباله لمندوب الرئيس القبرصي المطران مكاريوس الى إسرائيل، عن <<مساعدات إنسانية>> لقبرص. وهذا اصاب أنقرة بخيبة أمل كبيرة. أيضا مطالبة بعض زعماء اليهود الأميركيين بإعادة الحقوق الى بطريركية الروم الأرثوذكس في اسطنبول في بيان نشرته النيويورك تايمز في العاشر من نيسان 1966. ولم تنجح مساعي تركيا لدى إسرائيل بعدم وضع اسماء هولاء اليهود بين موقعي ذلك البيان. عند هذا الحد توقف التعاون العسكري السري بين تركيا وإسرائيل وفي 27 نيسان 1966 أُبلغ الملحق العسكري في السفارة الإسرائيلية بأنقرة بالإنهاء الرسمي لهذا التعاون. لكن أسبابا أخرى تساهم في وقف التعاون وهو تطلع أنقرة للحصول على دعم لها في قبرص من جانب العالم العربي الذي كان يقف الى الجانب اليوناني. ومن أجل إبطال مفعول السياسات الماضية، بدأت تركيا تتشدد تجاه إسرائيل وتنفتح على العلاقات مع العالم العربي والإسلامي، وتخرج من عزلتها الاقليمية.

مصادر
السفير (لبنان)