لا بدّ أنكم مللتم من سماع المواجع الوطنية تُتلى عليكم ليلَ نهار ابتداءً من زوجاتكم أو أزواجكن مروراً بأولادكم ومن ثم أصدقائكم وزملائكم ورؤسائكم في العمل، والتي تنعكس نكداً عائلياً ومؤسسياً وذاتياً. وشبعتم بالتأكيد من قراءة النقد والسخرية في الجرائد الحكومية والمطبوعات الخاصة ومواقع الانترنت ومقالات كل من يكتب ليفشّ خلقه وخلقكم. وسئمتم المقابلات التلفزيونية والنشرات الاخبارية والبيانات الافتتاحية والختامية التي تكرّ وتعيد نفس الاسطوانة التي طالما سمعناها في المدارس والجامعات عن بؤس الحال الاقتصادي الراهن وبريق المستقبل الواعد، وعن القدرة الكامنة للمارد القابع في قمقم سيخرج منه يوماً ويقول ”شبيك لبيك“. وأصابكم الإعياء والقرف من تنظير مومياءت بليدة تنبعث منها نتانة الفساد، أو الأسى على حماس الشباب الفارغ (أو المفرّغ) وخيالاتهم الدونكيشوتية تغذيها طواحين هواء معطلة. واشمأززتم وأنتم ترون الفاسدين يدعون لمحاربة الفساد، والمخربين يعلنون الحاجة إلى الإصلاح، والفاشلين يديرون النجاح ... وأي نجاح، وأي صلاح أو إصلاح يُؤمل من هذا ومن ذاك.

بعد كل ما سبق أراني في مأزق حرج وأنا أجلس لأكتب افتتاحية تفيد وتمتع وتقنعني دون أن توقعني في ورطة لا تُحمد عقباها. بالرغم أني أعلن لكم أنه ليس في الكتابة بعد اليوم جرأة، فنحن نكتب ما نشاء أو هكذا نظّن، وبضمانة من وزير الإعلام حسب اجتماعنا الأخير معه كناشرين ورؤساء تحرير (ألغي بعدها ترخيص جريدة المبكي!) وقد أعطى الوزير الضمانة وهو مرتاح، فنحن نسأل ولا من مجيب، وننتقد ويضحك من ننتقدهم معنا علينا، ونقترح فتذهب اقتراحاتنا في غياهب الدروج، ونصرخ والمصروخ فيهم أذن من طين وأذن من عجين. ونكتب ومن نتوجه إليهم لا يقرأون، وإن قرؤوا لا يفهمون، وإن فهموا ... فيا جبل ما يهزّك ريح ... اتصلوا بنا يهنؤوننا بجمال الصنعة وذكاء الأسلوب وجرأة الطرح مؤكدين على أنّ عبقريتهم الفذة لم يفتها ما ”بين السطور“، وكأننا نكتب عن بلاد الواق الواق وليس عنهم. فما فائدة الكتابة إذن وما فائدة الكلام إن كنّا غير قادرين على التغيير؟

** سورية اليوم -وبعثها يحاول بخجل الابتعاد عن السلطة- قد تتشابه مع أوروبا في عصر النهضة ابان القرن السادس عشر عندما قررت أنه لا مناص من فصل الدين عن الدولة، وهي قضية أصبحت مسلمة فكرية في العالم المتطور (وأين نحن منه؟) وشرطاً لازماً لكل دولة حديثة أساسها المواطنة. وما دام المواطنون في الدولة الواحدة مختلفين في انتماءاتهم الدينية، وقد يكون بعضهم ملحداً ، ففي التزام الدولة بدين واحد منها تعدٍ على حقوق المواطنين المنتمين إلى الأديان الأخرى أو المنكرين لها. فارتباط الدين بالدولة يفرض على المواطنين ديناً ونهجاً لا يؤمنون به، ويحرمهم من حقهم في شغل بعض المناصب الكبيرة والصغيرة، وقد يكون سبباً في نزاعات لتفقد الدولة معها الاستقرار اللازم لتطوّرها. وقد وصل الأمر في أوروبا قبل نهضتها، إلى وقوف ”رجال الدين“ ضد العلم وضد الحقيقة زاعمين حين يريدون أن ذلك يخالف ”الدين“ الذي جاء من عند الله. وصحت أوروبا منذ ثلاثمئة سنة ... وما زلنا نحن اليوم نتمطمط.

البعث هو عقيدتنا الرسمية في سورية منذ أربعة عقود – بما فيهم نحن المستقلين (الملحدين سياسياً). إلا أنه لم يكن بفكره الاشتراكي التنموي الانساني ولا برجاله الحقيقيين سبب الفساد والخلل اللذين أوديا بنهضتنا الاقتصادية. ففي المادة 6 من مبادئه العامة يشير البعث إلى أنه ”حزب انقلابي“ ومن أهدافه ”انقلاب على الواقع الفاسد يشمل جميع مناحي الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية“. وفي المادة 13 يؤكد على ”تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في التعليم والحياة الاقتصادية كي يظهر المواطنون في جميع مجالات النشاط الإنساني كفاءاتهم على وجهها الحقيقي وفي حدودها القصوى“. لم يتمكن الحزب من تحقيق كلا المبدأين، وأمعن في الوقت نفسه في تطبيق سياسته الاقتصادية التي ينص عليها دستوره في حصر ملكيات وسائل الانتاج الكبيرة ووسائل النقل بـ ”الأمة“، وفي تحديد الملكية الزراعية، والملكية الصناعية، والاشراف على التجارة الداخلية والخارجية. وبالرغم من أن المادة 37 تطالب بـ ”وضع برنامج شامل على ضوء أحدث التجارب والنظريات الاقتصادية“ للتصنيع والتنمية، فقد أغفل البعث –ربما بتأثير البنية الاستغلالية الضاغطة- التغيرات السريعة في الاقتصاد العالمي والتكتلات الناشئة وعدم تمكن الدولة من تحمل أعباء التزايد الهائل للسكان، والتي يلبيها جميعها اقتصاد السوق الذي أثبت نجاعته بالرغم من هناته وعثراته، بينما يخذلها الاقتصاد الاشتراكي بشكله الذي سعى إليه البعث (مقابل الاشتراكية الناجحة في مجتمعات الرفاه الأوروبية.)

إلا أن العائق الاقتصادي لم يكن يوماً البعث ولا البعثيين. فالعوائق كانت وما تزال هي كل تلك الدمى الوصولية والعلقات الطفيلية التي لم تقدر على حمل فكر عظيم كفكر البعث، بل تعمشقت بردائه واعتبرته وسيلة للتسلق والجثوم فوق رقاب العباد. شياطين خُرس نقلوا فشلهم إلى أجيال أنشؤوها، مدمّرين كل ما اعترض طريقهم وهم يبنون لأنفسهم قصوراً فارهة موّلتها أحلام شعب وُعدَ برفاهيةٍ وعدالةٍ اجتماعيةٍ، فالتهبت اكفّهم لها تصفيقاً وبُحّت حناجرهم لها هتافاً. تلامذة جُهّال توهموا عبقريتهم ولم يعرفوا تهجئة إلا كلمة ممنوع، ولم ينجحوا سوى في قلب الحقيقة وتدنيس الفضيلة وتشليح الطبقة المتوسطة و”تدبيك“ النُخب الاقتصادية والثقافية على نعيق مزاميرهم وقرقعة دربكاتهم. منظّرون غوغائيون تفتقت أذهانهم عن شعارات سمك لبن تمر هندي (على رأي المصريين) كتبوها على لافتات غطّت عين الشمس وأغرقتنا في ظلام دامس؛ نتلمس فيه خُطانا فلا نجدها. أشكال من إمّعات متخلفة قاوموا مركبّات نقصهم ووساوسهم القهرية ونقمتهم على ظروفهم القدرية بشراء شهادات جامعية من الاتحاد السوفييتي ودول معسكره البائد بينما كانوا هناك يبذخون في الحلال والحرام ويأكلون ويشربون ما لذّ وطاب، ويرون في ذلك تضحية وأيّما تضحية؛ فهم يجربّون نيابة عن الشعب ما سيأتيه من متعة ورفاهية ليختاروا له الأفضل ... واختاروا له فعلاً رسوماً وضرائبَ وتخطيطاً مركزياً وحصراً ومنعاً واحتكاراً وشظفَ عيشٍ يعينهم على المواءمة بين تطبيق "اشتراكية تقدمية" لم يفهموها خلال أوقات الدوام ومعايشتهم بعد الدوام لـ "البرجوازية الرجعية" بحكم ما "حصّلوه" من الفيلات والأراضي وأساطيل السيارات والسيجار الكوبي وليالي الأنس في بيروت للدراويش منهم أو في أوروبا لمن حَسُنَ سبيلاً. فتشوّه معنى ”التحويل الاشتراكي“ وغدا تحويلاً للثروة من البرجوازية الوطنية بقاعدتها الواسعة وشركاتها المساهمة وإيداعاتها في المصارف المحلية إلى الأغنياء الجُدد بقواعدهم الضيقة وشركاتهم الفردية وحساباتهم السرية في مصارف العالم.

ليست الأسماء هي المهمة هنا بالرغم مما قد يكون فيها من دلالات. فهؤلاء كلهم ظلموا البعثيين الحقيقيين ومنهم مسؤولون وضباط ومدراء عامون وأساتذة جامعات وغيرهم، يشكلون نبراساً في العمل والاخلاص والكفاءة ومثالاً يحتذى وهم أشخاص عليهم المعتمد في ما سيأتي ... اللّهم إن أتيح لهم مجال لممارستها. ولكن المهم هو الثقافة المستشرية بين صفوف العديد من المسؤولين وأبنائهم وعائلاتهم وموظفيهم ومن يلوذ بهم من ”الشبّيحة“ وأشباه رجال الأعمال وأنصاف المثقفين، والتي انعكست استهتاراً بكل قيمة أوقانون وبأي اعتبار للمحيط أو البلد أو ”المرحلة“. وهذا تحديداً هو ما يزيد الطين بلّة، بل ويسبب إحباطاً مميتاً لدى البقية المتبقية من أناس ليسوا بحاجة إلى مزيد من الكبت الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. لم يستطع البعث منع المتسلقين والانتهازيين من استغلاله والإساءة إليه وإلى اقتصاد سورية، ولقد أخطأ بحق نفسه وبحق سورية عندما غضّ الطرف عامداً متعمداً عن تجاوزات تخالف دستوره وتتعارض مع الطبيعة الانسانية. الفساد اليوم ليس محصوراً بالبعث ولا الضلال. ولا هو السبب الوحيد في التراجع، والإحباط، بالرغم من أن كل ذلك حصل في ظل قيادته للدولة والمجتمع. المشكلة اليوم أكبر من البعث، وأبعد من النقاشات الدياليكتية حول دوره المستقبلي والمادة الثامنة من دستور البلاد. وبناءً عليه، فهل تكفي وعود البعث وتوصياته الأخيرة حقّاً لمساعدة سورية على النهوض من جديد، وهو الذي يبدو أن الوضع قد خرج من يده تنظيمياً وتعبوياً وجماهيرياً؟ أليست وعوده أكبر من قدرته الفعلية على تنفيذها ومتابعتها؟

مؤتمر البعث أسمعنا اليوم مجدداً وعود أمس تأسيسه وأمس تصحيحه. هو نقطة علام في مسيرتنا نحو الغد المشرق – هكذا قالوا- وهو ربما حركة تصحيحية جديدة. هو نوايا وكلام جميل يشبه كلام الأنبياء في طهره وإلهامه لولا أن تكراره سنيناً فسنين أفقده قدرته على "الهداية". ولكن هل العبرة حقاً فيما يوصي به البعث؟ أم العبرة هي فيما يستوجبه ”البعث“ بالمعنى الحقيقي للكلمة، حالة من إعادة الخلق الذي شوّهناه صورةً ومضموناً؟ لقد كان البعث عقيدتنا، وكادت حتى الغالبية اللاحزبية تقتنع به قائداً وفقيهاً و”عليماً خبيراً“. فكيف ننجح في أن تكون عقيدتنا الجديدة هي البعث الحقيقي ... البعث من تحت الرماد؟ كيف نكون كمجتمع أعمال وشباب رواد ”الحرس الجديد“، علماً بأن رئيس الجمهورية (وأمين البعث) أشار غير مرّة إلى أن إبعاد الأشخاص هو ليس الحلّ ولو كان فيه بدايته. فـ "الحرس القديم" هو "تلك العقلية التي تريد أن تتوقف في موقعها الحالي ولا تريد أن تتحرك للأمام،" وهذه عقلية مستشرية في كل المفاصل وفي كل القطاعات وبين كل الفئات الاجتماعية والعمرية. وفي مقابلته مع جريدة نيويورك تايمز الأميركية عام 2003 كان الرئيس واضحاً: ”لا أحب أن أبسط الأشياء؛ تخلص فقط من الحرس القديم وستحصل على التحديث. هذا بسيط للغاية. ولكن هذه ليست مزرعة. إنها دولة. ولا يمكنك أن ترى الأمور بتلك البساطة.“ فكيف نكون سنداً وأزراً وقوةً للرئيس بشار الأسد، وهو ”البعثيّ المنتظر“ (نسبة للبعث كمعنى وكحزب) الذي سيضع حداً للعبث بنا وبالبعث فيبعثه ويبعثنا ويبعث سوريّة من جديد؟

**

إذن نسأل: ما الذي مات فينا ويحتاج إلى بعث لنكون حرساً جديداً؟ قد يكون جواب البعض هو الضمير. نعم يكاد الضمير يموت، ضمير الفرد وضمير الأمة. وقد يكون الجواب هو الحماسة. وقد يكون الكفاءة أو المبادرة أو المسؤولية أو الجرأة أو النزاهة أو الكبرياء أو الأخلاق أو العلم أو العمل أو ... إلخ. ولكن ما يكاد يموت فينا أو مات فعلاً في بعضنا ويحتاج إلى بعث حقيقي هو الانسان. ولست أتحدث هنا عمن قُدِّر لهم التمتع بكبرياء الاستقلال عن السلطة، ورفاهية العلم، وطمأنينة الدخل، والاحتكاك مع الحضارة الغربية، والتحرر من قيود الظرف والمكان، والانطلاق خارج الصناديق التي عُلّبنا فيها. إنما أتحدّث عن غالبية الشعب الطيّب الذي تراه في جولة في الأحياء الشعبية أو في الأسواق وفي المقاهي، يقرأ الأخبار ذاتها في الجرائد وينفث مع دخان نارجيلته-بسلبية وانهزامية فُرضتا عليه- هموم الحلم الذي هوى. هذا هو الانسان الذي نبحث عنه اليوم للقيام بواجبات الاصلاح ونلومه لعجزه عن أن يكون بحجم "المرحلة"– الانسان القابع في كل مثقف وموظف ومتوسط دخل وريادي وتاجر وصناعي ومسؤول. هذا هو الانسان الذي علينا أن نعيد إليه ثقته بنفسه، وبأحلامه، وكرامته، وحرية ضميره، وبحقوقه في المدرسة والجامعة والمستشفى، ونعيد إليه إيمانه بأنّ الناس يولدون أحراراً متساوين في الحقوق بغض النظر عن المنطقة أو العائلة التي إليها ينتمون، وبأنهم سواسية أمام القانون. وعلينا أن نعيد إليه حقّه في تأسيس أسرة يتوفر لها مسكن ومصدر دخل، وحقّه في أن يخدم وطنه بشكل فردي أو من خلال تنظيمات ونقابات تؤدي واجبها بحماية حقوقه. وإذا بدأنا بتطبيق كل هذا اليوم، فسنحتاج إلى سنوات عدة قبل أن يبعث فينا من جديد ذاك الانسان الذي نطمح له، فبدونه لا سند للاصلاح ولا انتقال من الشعار إلى التنفيذ، وبدونه سنبقى "مكانك راوح". فكما يقول الشيخ الغزالي: "من المستحيل إقامة مجتمع ناجح الرسالة إذا كان أصحابه جهالا بالدنيا، عجزة في الحياة ... (فاشلين) في مجالات الحضارة الانسانية الذكية".

**

أراني عدت إلى ما كنت أخشى منه من تكرار نفسي، وإلى ما بدأت أستسخفه من سرد لواقع بتنا نعرفه من كثرة ”الشفافية“ و”حرية التعبير“، ومن سذاجة التعلّق بأهداب حلم ما عُدت أراه. ولكني أردت أن أهبط بالتوقعات إلى مكانها الأصحّ والأقل تفاؤلاً بسرعة الانجاز بعد مؤتمر البعث. وسأكرس ما أكتب في الفترة القادمة للإشارة إلى ما يمكننا أن نقوم به حكومةً وأفراداً وشركات ومؤسسات أهلية لنسير بوطننا، ولو بوصة واحدة، إلى الأمام. صحيح أن النظريات مهمّة، وصحيح أن الوعود جميلة، وصحيح أن الاستراتيجيات ضرورية، إلا أن هناك الكثير الكثير مما يمكن للحكومة القيام به لتحسين الواقع بشكل سريع وفوري ودون لجان ودراسات وتأجيل هو في النهاية على حساب الوطن والمواطن وعُمره الذي ربما لن يطول ليشهد الانجازات العظيمة التي سوف تأتي –كما وُعدنا- يوماً ما. وليس أكثر مما يقصر العمر في هذا العصر والزمان.

هناك العديد من الإيجابيات دون شكّ. ولكن الظاهر أن الكفة ترجح لصالح السلبيات، يزيد عليها ما يقوله المتحذلقون المستوزرون في افتتاحيات الجرائد ممن لم يفهموا حتى اللغة البسيطة والمباشرة التي خرج بها مؤتمر البعث. وبالرغم من اقتناعي بكل فكرة كتبتها، إلا أنني أخجل من وطني أن كل ما يمكن أن يقال عنه مرير حزين يضحك من شدة الألم. أحقاً هو كذلك، هذا الوطن الجميل بأهله، والغني بثرواته، والعريق بمجده؟ وطننا، الذي يرزح الآن تحت ركام ثقيل لا حيلة لنا في إزاحته، ليس يملك إلا الدعاء بأن يعود بنوه إلى جادة الصواب –وهو مسامح كريم- ويتذكروا فضله عليهم وعلى من خلّفوهم.

مصادر
مجلة الاقتصاد والنقل (سوريا)