كان لحدث الانفصال بين سورية ومصر عقب الوحدة بينهما عام 1958 وقعه الحاد على المثقفين السوريين والحزبيين منهم بشكلٍ خاص، فقد كانت النخب الليبرالية السورية الهامشية قد دعمت الانفصال منذ أيامه الأولى خصوصاً إذا استذكرنا موقف رئيس الوزراء خالد العظم المشكك في نجاح الوحدة السورية ـ المصرية، وقد وقعت 62 شخصية بارزة على ما سمي بـ “وثيقة الانفصال”. وقد وصفت هذا الانفصال بـ “الثورة” و“الانتفاضة المباركة” وتنتمي هذه الشخصيات حزبياً إلى قيادات الحزب الوطني وحزب الشعب وحركة التحرير العربي والبعث وبعض النخب العشائرية من رؤساء العشائر والنخب الطائفية، ووقعت عليه خمس شخصيات بعثية بارزة، كان من أهمها أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار، و كان لموقف القيادات البعثية المؤيد للانفصال دور حاسم في انشقاق البعث نفسه، ولم يكن البعث نفسه هو الوحيد الذي تعرّض للانقسام بسبب الموقف من الانفصال، بل يمكن القول ان انقسام النخب السياسية السورية إلى انفصاليين ووحدويين قد هيمن على سائر انقساماتها الاجتماعية والأيديولوجية الأخرى، فالبعث تعرض لانشقاقات عدة، أهمها انشقاق عبدالله الريماوي في الأردن عام 1960 إثر خلاف "البعث" مع عبد الناصر، ثم انشقاق فؤاد الركابي في العراق، غير أن الانشقاق الأكثر خطورة كان انشقاق أكرم الحوراني في سورية، ذلك لأنه مثّل عملياً فض الشراكة بين "البعث العربي" و"العربي الاشتراكي"، وهو ما دفع فئة جديدة إلى الانقسام أطلقت على نفسها "حركة الوحدويين الاشتراكيين"، وقد أخذت معها نخبة جديدة من المثقفين البعثيين، إذ كانت هذه المجموعة تعيب على حزبها تردده تجاه حماية الوحدة، وقبوله صلاح الدين البيطار على رأس بنيته التنظيمية، وهو الذي وقع على وثيقة الانفصال، ثم التكتل الانقسامي الذي قاده رياض المالكي وسمي بـ "القطريين" نسبة لنزعتهم القطرية وموقفهم المتشنج من الرئيس عبد الناصر وقيادة البعث.

إذاً برزت النخب المثقفة في سورية عقب الانفصال كنخب أيديولوجية بامتياز ترجع في أصولها إلى الطبقة الوسطى، وتحول المثقفون القوميون إلى كيانات أيديولوجية حزبية متخالفة ومتنابذة حول نزاعات ومواقف تاريخية وأيديولوجية مختلفة، فقد أسس الوحدويون المرتبطون بالقاهرة وهو ما أصبح يُطلق عليهم “الناصريون” ثلاث منظمات مدينية قوية ينحدر معظم أعضائها من الفئات الوسطى المدينية ومن الطلاب والمعلمين والعمال، الأولى هي “حركة الوحدويين الاشتراكيين” التي أسسها خمسون شخصية بعثية سابقة بعد أسبوع من الانفصال، ودعت إلى الوحدة الفورية مع مصر وقد مثلت الجناح الناصري في البعث، و"حركة القوميين العرب" التي توسّع تنظيمها السوري من أخوية قومية نخبوية مغلقة إلى حركة جماهيرية تضم آلاف الأعضاء في الطبقة العاملة الصناعية، إن سيطرة هاجس الانفصال على وعي النخب السورية يعزوه كثيرٌ من الباحثين إلى التباس مفهوم الدولة الوطنية السورية في وعيها، إذ بالرغم من تحفظ خالد بكداش الأمين العام للحزب الشيوعي وخالد العظم رئيس الوزراء الليبرالي على الوحدة، إلا أن الانفصال لم يستطع في أيّ لحظة من لحظاته أن يُبرّر نفسه باسم كيانية الدولة الوطنية، بل باسم مساوئ المركزية البيروقراطية والبوليسية والتسلطية المصرية، وادعى باستمرار تمسكه بمبادئ الوحدة الصحيحة.

وصل الوعي الأيديولوجي إلى ذروته تقريباً عبر امتلاكه للأحزاب السياسية وتملكه لها، إذ إن خارطة الأحزاب السياسية السورية في فترة ما بعد الانفصال تعكس بجلاء الحراك النشط للأحزاب السياسية العقائدية وخموداً تاماً للمثقفين المستقلين أو للأحزاب ذات الإرث الوطني الليبرالي القديم، فالبعث كان قد عقد مؤتمره القومي الخامس في حمص في أيار1962 ووضع شعاره الرئيسي إسقاط النظام الانفصالي الرجعي واستعادة الوحدة الاتحادية مع مصر، وأفرز عدداً من التجمعات السياسية المنشقة كتيار أكرم الحوراني ورفاقه، وتيار القطريين، وتيار الوحدويين الاشتراكيين، وتيار القيادة القومية “عفلق ورفاقه”، أما الحزب الشيوعي فكان قد ساهم بفعالية في حكومة ما بعد الانفصال التي رأسها بشير العظمة 16 نيسان ـ 14 أيلول1962، والأمر نفسه بالنسبة للإخوان المسلمين بحيث يمكن القول ان الأحزاب العقائدية قد ورثت الدولة الوطنية السورية “دولة ما بعد الاستقلال” ودولة الوحدة معاً، لقد تسيّست النخب المثقفة السورية بشكلٍ واسع وأصبحت حركتها ومساهمتها في المجال العام محصورةً فقط في قدرتها على الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها لتحقيق أو إنجاز أهدافها الأيديولوجية.

غير أنه وبالتوازي مع هذا الحراك النشط للنخب المثقفة كان يجري حراك آخر بين العسكريين والضباط السوريين الذين كان لهم إسهامهم في الانقلابات العسكرية المتتالية، وهو ما فتح لهم إعادة التفكير مجدداً في صنع الحياة السياسية وتشكيلها عبر الانقلاب العسكري، فقد فتحت الحركة الانقلابية التي قام بها العقيد عبد الكريم النحلاوي لإعلان انفصال الإقليم السوري عن جمهورية الوحدة، الباب لبروز التنظيمات العسكرية الناصرية والبعثية التي ساهمت في تأكيد مواقفها عبر حركاتٍ عسكرية لم تُفلح في البدء، إلا أنها نجحت في ما بعد في تأسيس دولة من نوع جديد بعد حركة 8 آذار 1963.

ذلك أن قيام حركة 8 شباط 1963 البعثية في العراق ونجاحها في إسقاط عبد الكريم قاسم شجع التنظيمات العسكرية البعثية والناصرية على الانقضاض على حكومة بشير العظمة المنقسمة على نفسها والإعلان عن قيام حركة الثامن من آذار 1963 واستلام السلطة بشكل كامل.

إن حركة 8 آذار1963 يمكن وصفها بأنها خلقت ازدواجية حقيقية داخل السلطة السورية، فصحيح أن الجيش السوري لم يكن هذا تدخله الأوّل، إلا أن مشروعية تدخل الجيش اختلفت في الحالتين، ففي انقلابات ما قبل الوحدة كان الجيش يتدخل بحجة تصحيح الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى العسكرية «كان تحرير فلسطين بمثابة الهدف المعلن الذي تبدأ به جميع بيانات الانقلابات السابقة والمتكررة»، وكانت هذه الانقلابات تشعر باستمرار بحرج شرعي ودستوري وهي لذلك كانت تتحصّلها عبر التنازل لها من قبل الرئيس المنتخب كما حصل مع الزعيم، أو عبر تعيين رئيس شكلي له الصورة والسلطة الفعلية للجيش، أو عبر استفتاءات وانتخابات وهمية. مهما يكن، فإن الجيش كان يشعر بحرج تدخله في السياسة وهو لذلك انكفأ تماماً بعد عام 1954 أي بعد الانقلاب على الشيشكلي، لكن نموذج الوحدة السورية ـ المصرية أو بشكلٍ أدق النموذج الذي بناه عبد الناصر في طريقة تركيبه للدولة القائمة على الحزب الواحد وعسكرة المجتمع وعدم الاكتراث بالتعددية الحزبية وبالبرلمان وبالانتخابات الديمقراطية بهدف إنجاز التنمية المستقلة عبر وسائل ثورية اقتصادية واجتماعية ولغايات سياسية خارجية، جعل النخبة القومية واليسارية في سورية سواء أكانت ناصرية أم بعثية أم شيوعية وحتى إسلامية تستخف ببناء الدولة على نموذج المؤسسات الدستورية والتشريعية وعلى صيغة عقد اجتماعي بين السلطة والمجتمع، فالدولة بالنسبة لها ليست سوى أداة لإنجاز الثورة بهدف تحقيق “المجتمع العربي الاشتراكي الموحد”.

مصادر
صدى البلد (لبنان)