لا مناص من إدانة أعمال الإرهاب, لكونها تستهدف الأبرياء عادة. ويكاد يكون هؤلاء الضحايا في كافة الظروف والأحوال, من النساء والرجال والأطفال العاديين, الجالسين في الحافلات أو المقاهي, أو المتجمعين في مراكز ومحال التسوق الكبيرة, ممن توافق وجودهم في تلك الأماكن وانفجار القنبلة في ذاك المكان. وفي كل الأحوال تقريباً, عادة ما يدفع هؤلاء الضحايا الأبرياء, الثمن الباهظ للقرارات والسياسات التي يصنعها قادتهم السياسيون. وعلى غرار هذه الأفعال وتكرار الصور المأساوية, كانت تلفزيونات العالم وشبكاته الإخبارية, قد بثت في السابع من يوليو الجاري, صوراً بشعة مثيرة للصدمة والأسى, لأشلاء جثث تبعثرت وتناثرت في الشارع العام, ولركاب حافلات ومترو أنفاق, ملطخين بدمائهم وهم يهرعون إلى المحطات هرباً من جحيم الانفجار, قبل أن تختطفهم النقالات وسيارات الإسعاف حيث أخذوا للإنقاذ والعلاج. فهل كان ما رأيناه مشهداً من مشاهد المذابح اليومية, التي تشهدها المدن والعاصمة العراقية بغداد؟ كلا, فنحن في قلب العاصمة البريطانية لندن حسبما تقول تلك الصور! وحتى اللحظة التي كتب فيها هذا المقال, تفيد الأخبار بأن عدد القتلى غير معروف حتى الآن وقد بلغ الستين, بينما تجاوز عدد المصابين جراء تلك الهجمات 700 شخص. هذا وتشير كافة البيانات الظرفية, إلى أن تنظيم القاعدة أو إحدى الجهات ذات الصلة به, هو المدبر والمنفذ لهذه الهجمات. ولما كان الأمر كذلك, فلمَ فعل تنظيم القاعدة ما فعل بلندن؟ هل هي رغبة من التنظيم, في مهاجمة "القيم البريطانية" كما جاء في تصريحات رئيس الوزراء توني بلير؟ أم أن لهذه الهجمات صلة باستجابة مضادة للسياسات البريطانية؟ والإجابة البديهية على هذا السؤال, هي أن القنابل الأربع التي هزت لندن وفجرتها, إنما هي بمثابة استجابة محسوبة ومخططة ومدروسة, للقرار الذي اتخذه توني بلير بالانضمام إلى حليفه الرئيس الأميركي جورج بوش, في حربهما الثنائية ضد العراق. وبعبارة أخرى, فإن أولئك القتلى والجرحى والمصابين, والشلل التام الذي أصاب تلك المدينة الكبيرة كلها يوم الهجمات, وعودة مئات الآلاف من مواطنيها مشياً على الأقدام في ذلك اليوم, إلى جانب ما أحدثته الهجمات والتفجيرات من خسائر مادية واقتصادية فادحة, كل ذلك قد قصد منه أن يكون ثمناً تعين على بريطانيا دفعه, رداً على الحرب العراقية التي شنها بلير.

وكدأبهم دائماً, فقد استقبل البريطانيون تلك الهجمات, بكثير من الهدوء والحكمة والجلد والثبات. غير أن السؤال الذي لا مناص منه هو: هل كان واجباً عليهم أن يدفعوا ذاك الثمن الباهظ الذي دفعوه... هل كان دفعه مبرراً؟

إنه السؤال الذي يتعين على بلير وحكومته, مواجهته والتصدي للإجابة عليه, بما يقنع الرأي العام البريطاني. فقد ثبت أن العراق لم يكن يمثل تهديداً لأمن بريطانيا أو أي دولة أخرى من الدول. والشاهد أن العقوبات الدولية التي تواصل فرضها عليه, على مدى ثلاثة عشر عاماً, قد تركته كسيحاً وجاثياً على ركبتيه تماماً. أما المسوغات والمبررات التي ساقها كل من جورج بوش وحليفه توني بلير, لغزو العراق وإسقاط نظام رئيسه صدام حسين, فقد ثبت أنها كانت مجرد أكاذيب ومزاعم مختلقة. فلم تكن بحوزة العراق أي من أسلحة الدمار الشامل, كما لم يثبت وجود أي صلة له بهجمات الحادي عشر من سبتمبر, التي استهدفت الولايات المتحدة الأميركية عام 2001.

وإن لم تكن تلك هي الأسباب, فما هي الدوافع الحقيقية وراء ذلك الغزو يا ترى؟ على الرغم من أن هذه الأسباب لم يتم التصريح أو الاعتراف بها مطلقاً, إلا أن الاعتقاد الشائع والواسع النطاق بين المراقبين والمحللين, هو أن لتلك الحرب علاقة ما, بطموح واشنطن إلى وضع يدها على احتياطيات النفط العراقي, وبذلك تكون لها اليد العليا على إمدادات النفط العالمي وأسعاره معاً. إلى ذلك فقد مارس أصدقاء وحلفاء إسرائيل النافذون داخل الإدارة الأميركية وأروقتها, من الضغوط على الإدارة, بما يضمن الإسراع بشن الحرب على العراق, أملاً منهم في تدمير دولة عربية كبيرة, يحسب لها ألف حساب, ومن ثم إجراء تحسين جذري على البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل.

أما النتيجة العملية التي أسفرت عنها الحرب فتتمثل في تدمير العراق, ومصرع عشرات الآلاف من مواطنيه, بينما تحولت حياة الملايين الذين نجوا من نيران الحرب منهم إلى قطعة لا تطاق من جحيم المعاناة اليومية. ومما لا شك فيه أن التاريخ الإنساني المعاصر, سوف يدرج أحداثاً مثل تدمير العراق, وتسوية مدن بكاملها مثل الفلوجة, إلى جانب ممارسات التعذيب المؤسفة التي وقعت في كل من سجني أبوغريب وخليج جوانتانامو, وغيرها من أحداث لازمت الحرب وصاحبتها, بين كبريات الجرائم التي شهدها قرننا الحادي والعشرون.

ومما لا شك فيه أيضاً, أن رئيس الوزراء البريطاني الحالي توني بلير, يعد سياسياً بارعاً من وجوه عديدة. فقد تمكن من إعادة بناء حزب العمال, وحقق في الخامس من شهر مايو المنصرم, فوزاً تاريخياً بجولة ثالثة في منصبه الحالي. وفي الأسبوع الماضي, استضاف في بلاده, اجتماع قمة للدول الصناعية الكبرى الثماني, وبذل كل ما في وسعه, لإقناعها بضرورة المساهمة في تخليص إفريقيا من دوامة الفقر, وحماية كوكبنا من خطر الإحماء والتغير المناخي.

وخلال الست أشهر المقبلة, ستتولى بريطانيا رئاسة الاتحاد الأوروبي. وهكذا يعلو نجم بلير على منافسيه الأوروبيين الرئيسيين, الفرنسي جاك شيراك, والألماني جيرهارد شرويدر, اللذين يمضيان حثيثاً إلى نهايات مجدهما السياسي. لكن وعلى رغم هذه الإنجازات السياسية الضخمة, إلا أن الأرجح أن يقسو التاريخ في حكمه على توني بلير. ذلك أنه جرَّ بلاده وشعبه, إلى حرب لم تملها الضرورة, ولم تكن شرعية لكونها بنيت على ذرائع ومبررات مختلقة وكاذبة. والأكثر من ذلك, ها هي الحرب وقد جاءته إلى عقر داره, وفي عاصمة بلاده لندن!

أما الدول العربية, فإما أن تكون قد تمنعت أو عجزت من ناحيتها, عن تحريك إصبع واحد لحماية العراق, أو وقف المطامح الاستعمارية الأميركية- البريطانية الجديدة عند حدها, قبل شن الحرب. بل إن الذي حدث من بعض الدول العربية, هو أنها وفرت القواعد العسكرية التي شنت منها الحرب على العراق. لذا وفي ظل هذا الفراغ الناشئ عن العجز أو الشراكة العربية في غزو العراق, فقد علا دور اللاعبين الجدد -غير الحكوميين- من أمثال تنظيم القاعدة, وطفح كيلهم ورغبتهم في الثأر من ذلك التدخل الأجنبي السافر في تقرير مصير بلدانهم وشعوبهم. وفيما يبدو فإن الهدف الرئيسي لهذه التنظيمات, هو ابتكار رادع عسكري ما. أما الرسالة الموجهة إلى الغرب عموماً, فهي في غاية البساطة والمباشرة: "إن قتلتمونا فسوف نقتلكم بالمثل".

ولما كان بلير قد تعهد بإلحاق هزيمة شاملة ونهائية بالإرهاب, فكيف له أن يفي بالتزامه هذا؟ الواضح أن الأساليب العسكرية والبوليسية لم تجْدِ فتيلاً, وأن السبيل الوحيد هو حل النزاعات, على أسس العدل ومواجهة الذات والآخرين بالخطأ. ويتطلب هذا أن تعترف كل من لندن وواشنطن, بأن شن الحرب على العراق كان خطأً كارثياً, وأن تسحبا قواتهما منه بأسرع ما يمكن, على أن تتولى الأمم المتحدة مهمة إعادة بناء العراق وإعماره.

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)