هذه المرة في لندن. وهذه المرة يثبت إرهابيو القاعدة مرة أخرى أنهم أسوأ من أسوأ عدو لهذه الأمة, وقد تعاهدوا على تدمير ما تبقى من سمعة العرب والمسلمين وتشتيت أي تأييد لأية قضية عربية وإسلامية في أي مكان. النجاح الوحيد الذي يحققونه يكمن في توسيع دائرة العداء للعرب والمسلمين وللإسلام. ينشر مسلسل الدم والكراهية في طول وعرض العالم ليزيد من هزائمنا وهو يظن أنه يحقق انتصارات! إنه كمن يصفع نفسه ثأراً من الآخرين. منطق الإرهاب القاعدي يقوم على التبرير التالي: إن الغرب يقتل الأبرياء في العراق وأفغانستان ويدعم إسرائيل التي تقتل الأبرياء الفلسطينيين, ولذلك فأبرياؤه يستحقون الموت والعقاب أيضاً. هذا المنطق دموي وغير إسلامي لأنه يعاقب المدنيين الغربيين على وزر حكوماتهم. ومع ذلك فإن لهذا المنطق مؤيدين كثراً مع الأسف, لهذا يحتاج إلى وقفة وتفكيك. أولاً, ينطوي هذا المنطق الدموي على الرغبة في الثأر لما يذوقه أبرياؤنا من "أبريائهم الذين يجب أن يذوقوا ما يذوق أبرياؤنا" وهم عملياً الأفراد الذين يناصروننا ضد حكامهم وحكوماتهم. أي أن العمليات الإرهابية الحمقاء, وحتى لو نظرنا لها من دون أي وازع أخلاقي, هي غبية سياسياً, إذ أنها تنفذ ضد الأنصار وليس ضد الخصوم. فما بات معروفاً حالياً هو أن عدالة قضايا العرب والمسلمين يؤمن بها مؤيدون وشرفاء كثيرون عددهم أكثر من العرب والمسلمين في طول وعرض العالم. فقليلون هم أولئك الذين لا يؤمنون بعدالة قضية فلسطين والحقوق الفلسطينية المهضومة. وقليلون هم الذين أيدوا الحرب على العراق رغم أن الكثيرين ارتاحوا بسقوط دكتاتورها وتحرر العراقيين من بطشه. وأقل من أولئك وأولئك هم الذين أيدوا أو حتى قبلوا التبريرات الأميركية للتوحش البشع ضد سجناء أبو غريب أو غوانتنامو أو الفجور الإسرائيلي اليومي ضد الفلسطينيين. وهؤلاء جميعاً هم الذين خرجوا بملايينهم في شوارع لندن وباريس ومدريد وبقية عواصم الغرب تأييداً لعدالة قضايا الشرق وشعوبه. الأبرياء الذين يريد أن يذيقهم الإرهاب القاعدي المتوحش الموت هم الرأي العام الغربي والأوروبي الذي يؤيد فلسطين والعراق ويقف ضد العنجهية الإمبريالية الأميركية الراهنة بلا تحفظ كما تشير استطلاعات الرأي العام.

ثانياً, العقل الأحمق الذي فكر وخطط للعمليات الوحشية في قطارات وباصات لندن لا يتحلى بأدنى حد من الشجاعة والمروءة. فأي شجاعة وبطولة في تفجير باص ركابه عزل, نصفهم من طلبة الجامعات, أو عربات قطارات يحتشد فيها أناس ذاهبون إلى العمل أو المدارس. أهذه هي "ساحات الوغى" التي يريد صناديد القاعدة إظهار بطولاتهم فيها؟ أليست هذه العمليات أقرب إلى الغدر الرخيص وطعن العزل في الظهر عوضاً عن المواجهة الشريفة والمواجهة الرجولية وجهاً لوجه وضد الخصم العسكري المباشر بدل التوجه للأبرياء؟

ثالثاً, العقل الأحمق الذي فكر وخطط لهذا الإجرام لم يدر بخلده أيضاً أن التوقيت بالغ السوء إذ سيقارن الناس وحشيته بما كان يدور في انعقاد قمة الثماني في اسكتلندا. وهي القمة التي أجبرتها ضغوط المنظمات غير الحكومية على استبدال أولويات أجندتها المعتادة ووضع قضية الفقر ومساعدة الدول المعدمة على قمة الاهتمامات, فيما كانت "الحرب على الإرهاب" قد احتلت رأس تلك الأجندة في الأعوام القليلة الماضية. الآن, نجحت العبقرية البنلادنية في إعادة الاعتبار لشعار جورج بوش الذي قارب على السقوط عالمياً. ونجحت في بث حياة جديدة في استراتيجية بوش نفسه الذي بدأ مؤخراً يفقد شعبيته ويزداد منطقه في الحرب ضعفاً ليس فقط دولياً بل وأيضا على المستوى الأميركي الداخلي.

رابعاً, العقل الأحمق الذي فكر وخطط لهذا الإجرام لا يدرك أن قتل وجرح بضعة عشرات من الأبرياء في شوارع لندن لن يخدم قضايا العرب والمسلمين بل سيؤلب ضدهم كل من لم يسمع بأية قضية من تلك القضايا في السابق. و"غزوة لندن" كما يصفها أغبياء ذلك العقل ستؤجج من نيران العنصرية الكامنة في بعض زوايا المجتمع البريطاني. وسوف تكون انعطافة عظيمة في تاريخ اليمين والعنصرية في بريطانيا اللذين يرددان صباح مساء هذه الأيام ضرورة إقفال الحدود أمام المهاجرين, وسوف يدفع العرب والمسلمون ثمناً باهظاً لها. كما سيطرب لكل ذلك أشد الطرب الحزب البريطاني القومي, وهو الحزب المتطرف والفاشي البريطاني الذي يدعو إلى طرد كل العرب والمسلمين والملونين من بريطانيا, لكنه للآن ضعيف ولا يمثل شيئاً معتبراً في المشهد البريطاني.

خامساً, العقل القاعدي الأحمق لا يعرف شيئاً عن صراع نظرية التعددية الثقافية التي تقودها لندن ضد نظرية الإدماج القسري التي تقودها باريس. وكيف أن الحرية والتسامح اللذين أعطتهما لندن للإثنيات والجنسيات والأديان المختلفة كانت على الدوام نموذجاً يتسلح به المسلمون ليقولوا لبقية العواصم في أوروبا إن التعايش السلمي مع المسلمين يمكن أن يقوم على قاعدة الاحترام المتبادل. احترام لا يفترض التخلي عن الهوية أو الدين أو التقاليد ولا يشترط الدمج الكلي. وعندما تدفع لندن ضريبة باهظة نتيجة للإرهاب القاعدي فإن نموذجها الكوزموبوليتاني يتلقى ضربة مؤلمة. سوف يقول كثيرون إن التعددية الثقافية فاشلة, وإنه لا يمكن أن تتعايش ثقافات وأديان متباينة تحت سقف بريطاني واحد, وإنه لابد من التحول إلى سياسة الدمج القسري وجعل الجميع "بريطانيين" وإقرار قوانين تدفع بذلك الاتجاه. وهكذا فإن العقل الأحمق الذي يستهدف المدنيين والأبرياء البريطانيين باسم الإسلام يصطف مع نظرية صدام الحضارات ويعيد تأهيلها: إنه مشهد سوريالي بالغ الخزي نرى فيه بن لادن يمنح هنتينغتون وسام الدم من الدرجة الأولى, الأول يطبق ما ينظر له الثاني.

بيد أن المشكلة لا تكمن فقط في الحمق القاعدي الدموي والمخيف, بل أيضاً في وجود أصوات تنظر له وتؤيده ولو على استحياء أو مواربة. يقول هؤلاء إن سبب وصول الإرهاب إلى لندن هو موقف توني بلير من الحرب في العراق ومشاركة حكومته فيها. وإن هذا سوف يدفع الرأي العام البريطاني لإسقاط حكومة بلير لأنها جلبت هذا الإرهاب إلى الجزر البريطانية عبر سياساتها السيئة التي تبنتها. هذا "التنظير" فيه صك تبرير وقبول لما يحدث رغم زعمه بأنه يصف ما حدث وسيحدث ولا يبرر له. فهذا التسويغ يمكن عملياً أن يبنى عليه هذا الاستنتاج: إذا اتخذت أية حكومة غربية سياسة ضد مصالح الدول العربية والإسلامية فإنه من المفهوم والمبرر أن تتوجه القاعدة بصناديدها ضد مواطني تلك الدولة وتعيث في شوارعهم الفساد وتقتل منهم من تستطيع أن تصل إليه! والهدف هو دفع هؤلاء المواطنين إلى إسقاط الحكومة التي اتخذت السياسة المضادة للعرب والمسلمين. مقاومة السياسات الغربية المجحفة ضد قضايا العرب والمسلمين يجب أن تتم على قاعدة أخلاقية وإلا فقدت هذه القضايا تميزها المبدئي والأخلاقي. لكن أنى للعقل البنلادني المسطح أن يعي تركيب موقف كهذا أو أن ينفذه!.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)