بالنسبة إلى (الرئيس السوري) بشار الأسد، فإن الإدارة الاميركية هي التي تزرع الفوضى والاضطراب في المنطقة، وتحصد حالياً متطرفين جددا يهددون سورية وجيرانها ايضاً. يقول الأسد انه يعمل على انفتاح الاقتصاد السوري ويستعد لليوم، الذي من الممكن ان ينتخب السوريون فيه رئيسا غيره بصورة سلمية. وعلى الرغم من ان واشنطن تنظر اليه كونه رمزا فقط، فهو يقول عن نفسه انه بصدد تعزيز سيطرته، من خلال إزالة ما يسمى بالحرس القديم، الذين ظل بعضهم يعمل منذ حكومة والده الراحل، ليحل محلهم تكنوقراط لديهم تفكير يختلف عن الحرس القديم. وفيما يقول منتقدوه داخل سورية انه وجد نفسه متورطا في النظام الذي أوجده والده، او انه متواطئ معه، او ببساطة لا يعرف ماذا يفعل، يصر الأسد على ان لديه خطة، وانه يعمل على تطبيقها بالمعدل، الذي يستطيع السوريون مواكبته، نسبة الى الماضي المضطرب والانقسام الاجتماعي. انه يتعامل في كل المناسبات، وكأن أمامه متسعا من الوقت، وربما تكون خطواته غير المستعجلة علامة على الثقة بالنفس، التي يقول معارضوه، انه يفتقر إليها أو الرضا الذاتي أو مزيج من الاثنين. عندما توقف في دار الاوبرا ليلقي التحية، سألته عما اذا كان لديه اهتمام ازاء تقارير عن استئناف عمليات للقوات الاميركية، قرب الحدود بين العراق وسورية، وهي تقارير جددت شائعات تدور داخل دمشق عن غزو أميركي وشيك. قال الأسد: الولايات المتحدة دولة قوية بوسعها ان تضرب من البحر المتوسط، بالسهولة نفسها التي تضرب بها من العراق. الأمر ليس مسألة مكان وجودهم، وإنما كيف يتصرفون. ترى، هل يشعر الأسد بقلق ازاء ضربة أميركية محتملة لسورية؟ يرد مبتسما: «لا.. اعتقد ان تجربة الولايات المتحدة في العراق لم تكن ناجحة»، فيما علقت زوجته بلهجتها الانجليزية المتميزة قائلة: «إننا خارج ساعات العمل الرسمية». لم يكن تصفيق الحضور خارجا عن الروتين، وقال الشخص الذي لعب دور الشيخ بالهتاف للأسد: «بالدم.. بالروح.. نفديك يا بشار»، إلا ان الأسد لم يتوقف خلال خروجه من المسرح، وانخفض صوت الهتافات وصمت سريعا. توقف الأسد وعقيلته خارج القاعة للمصافحة والدردشة مع بعض الحضور، فيما تحلقت مجموعة من الجمهور حول سيارة الـ«أودي» التي كانا يستقلانها. رفع البعض هواتفهم الجوالة، التي سمح الأسد باستخدامها قبل خمس سنوات فقط، لالتقاط صورة للرئيس وعقيلته، فيما تمنت سيدة لهما الحفظ والسلامة. دخلت أسماء الأسد السيارة، وفتح زوجها الباب الأمامي ليجلس خلف المقود وينطلق بها وحده داخل حركة السير المزدحمة، وليل دمشق الهادئ. تحدثت مع بشار الأسد وعقيلته خلال أيام متتالية في المكان نفسه، أي في المكتب الخاص في فيلتهم الكائنة في المرتفعات الشرقية المطلقة على دمشق. بدأت حديثي بالقول ان ثمة جدلا في واشنطن، حول ما إذا كان يسيطر فعلا على حكومته، وطلبت منه رأيه في ذلك. رد الأسد ضاحكا: «كان ذلك قبل مؤتمرنا»، في إشارة إلى المؤتمر السابق لحزب البعث السوري، حيث تنحى عدد من الرموز البعثية. إذ ان بشار الأسد لم يبق سوى ستة فقط من 21 شخصا في قيادة الحزب، التي قلصها ايضا إلى 15 شخصا فقط. قال الأسد انه ظل يتابع الجدل الدائر في واشنطن، وأشار إلى وجود مقالين أشير في أحدهما إلى انه لا يسيطر على الحكومة السورية، فيما أشير في الثاني إلى انه دكتور، وواصل حديثه قائلا: ان هذا تناقض واضح. وتابع قائلا انه بموجب الدستور والقانون، يملك الرئيس السوري صلاحيات وسلطات كثيرة، وأضاف: «ولكن اذا اتخذ قرار، فليس من المهم ما اذا كان قرارا كبيرا او صغيرا، مهما ام عاديا، وإنما المهم ان تجرى مشاورات مع كل شخص. هذه الطريقة التي اتبعها أنا». وفي السياق ذاته يفسر الأسد هذه الانطباع عنه، لأنه ليس متعجلا. وأشار ايضا إلى تغيير آخر حدث في مؤتمر حزب البعث، الذي انعقد اخيراً، وهو التغيير الذي حدث في الجانب المتعلق باقتصاد السوق. أوضح قائلا ان المشاورات حول هذا التغيير على وجه التحديد استغرقت 18 شهرا. ادرك ان بشار الأسد طلب من الجانب الاميركي في السابق التحلي بالصبر، مشيرا إلى ان الحرس القديم المتبقي من نظام والده الراحل عارض توجهاته، لكنه الآن تخلص من نفوذ هؤلاء، فقد «ذهبوا وتمكنا من إجراء هذا التغيير»، على حد قوله. نفى الأسد أية صلة له باغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، وقال لي ان حلفاء لسورية اغتيلوا في لبنان ايضا، ولم يعرف أحد الجهات المسؤولة عن اغتيالهم. وتابع قائلا إن هناك دائما اغتيالات في لبنان، وان الحريري رجل أعمال دولي لا تعرف سورية أي شيء عن علاقاته. سألت الأسد عما اذا كان يتفق مع ما ورد في مقال نشر أخيراً للوزيرة السورية بثنية شعبان، التي أشارت إلى مسؤولية الولايات المتحدة وإسرائيل عن اغتيال الحريري. أجاب عن هذا السؤال بقوله: «حتى اذا أردت ان ألقي المسؤولية على أية جهة دولية او اقليمية، لا يمكن ان أقول ذلك بوصفي رئيسا، ولهذا السبب جاء خيار التحقيق الدولي».

وردا على ادعاءات في واشنطن، قال الأسد ان سورية تجاوبت تماما مع قرارات مجلس الأمن التي دعت سورية إلى سحب قواتها واستخباراتها من لبنان. وعما اذا كان سيتعاون مع الأمم المتحدة، في تنفيذ جانب آخر من ذلك القرار، وهو تجريد «حزب الله» من السلاح، أجاب الأسد قائلا: «انهم طلبوا من سورية عدم التدخل في لبنان، القضية اذاً ليست قضيتنا». سألته أيضا حول ما تريده إدارة بوش منه، وأجاب قائلا: «لا أعرف، وهذه هي المشكلة»، وأضاف قائلا ان كل ما سمعه من واشنطن هو المطالبة بإغلاق الحدود مع العراق، وهي حدود طولها حوالي 300 ميل عبر الصحراء، وأشار ايضا إلى ان واشنطن تقوله لهم باستمرار ان سورية «لم تفعل ما فيه الكفاية». سألت دمشق عن المقصود بهذه العبارة التي قيلت مرارا لسورية، وجاءت الإجابة ان واشنطن تعترف بأن سورية تعاونت تماما في مجال المعلومات الاستخباراتية، عقب هجمات 11 سبتمبر (ايلول) 2001، لكنها تتلكأ عندما يطلب منها التعاون في محاربة التمرد في العراق. وتقول واشنطن ايضا ان ريتشارد آرمتياج، عندما كان نائبا لوزير الخارجية الاميركي السابق كولن باول زار دمشق في يناير (كانون الثاني)، وسلم المسؤولين السوريين قائمة بأسماء مسؤولين بعثيين عراقيين مختبئين داخل سورية، إلا ان الأسد لم يحرك ساكنا. إلا ان للسوريين رواية أخرى، فقد قال مسؤول سوري، طلب عدم الإشارة إلى اسمه، ان سورية اعتقلت عقب زيارة آرمتياج أخ صدام غير الشقيق، سبعاوي ابراهيم الحسن، المتهم بالوقوف وراء التمرد داخل العراق وسلمته للسلطات العراقية مع 20 آخرين. وأضاف المسؤول السوري انهم ابلغوا الجانب الأميركي بأن سورية، التي لا تسعى إلى الحصول على مقابل ازاء هذا التعاون، تريد من الولايات المتحدة ان تتكتم على هذا التعاون، خوفا من إثارة استياء الرأي العام العربي وغضب المتطرفين. كان اعتقال سبعاوي ابراهيم الحسن التكريتي بواسطة سورية، حدثا بارزا نظر البعض اليه، عقب كشف النقاب عنه كونه ازدواجية في التعامل من جانب سورية، مما جعل دمشق تنفي فورا مشاركتها. وقال لي بشار الأسد ان سورية اعتقلت ما يزيد على 1500 متطرف، حاولوا عبور الحدود السورية ـ العراقية من أو إلى العراق. وقال ان عروضه التي تقدم بها مرارا بشأن التعاون مع إدارة بوش للسيطرة على منطقة الحدود كان مصيرها التجاهل. وأضاف «اي شخص يذهب إلى الحدود السورية ـ العراقية سيلاحظ بوضوح وجود الجنود السوريين فقط عند الجانب السوري من الحدود، وعند النظر إليها من الجانب العراقي لا يوجد أي حارس أو جندي عراقيا كان أم أميركيا». سألته عما اذا كان يعتقد ان العنف في العراق مقاومة مشروعة، أجاب قائلا انه طرح السؤال نفسه على العراقيين. وتابع قائلا: «التفجيرات الانتحارية، وقتل العشرات يوميا لا يعتبر بالطبع مقاومة مشروعة في أي مكان في هذه المنطقة. انهم يتحدثون عن شن العراقيين هجمات على قوات التحالف، ويعتبرون ذلك مقاومة». على الرغم من الايديولوجية المشتركة للوحدة العربية، فإن بعثيي سورية والعراق، ظل كل منهم يسعى الى القضاء على الآخر، ويدبر الانقلابات والانقلابات المضادة. فحافظ الأسد ساند ايران في حربها ضد العراق، وهو قرار ساقه لي بشار الأسد كدليل على بعد نظر والده. ويقول بشار انه لن يندم على معارضة الحرب الأخيرة على العراق، لأنه كان يعارض الحرب من منطق موقف مبدئي معارض للحرب، كما يقول ايضا، انه كان يدرك ان سورية «ستدفع ثمن أية أعراض جانبية مترتبة على هذه الحرب»، مؤكدا ان سورية تدفع الآن الثمن. قبل أيام من اللقاء الذي أجريته مع الرئيس بشار الأسد، اعلنت الحكومة السورية اعتقال شخص وقتل اثنين آخرين، كانوا يخططون لشن هجوم في دمشق لمصلحة منظمة تطلق على نفسها «جند الشام»، في إشارة إلى «سورية الكبرى» التي تضم الأردن ولبنان وفلسطين.

وكشف الأسد تفاصيل جديدة وقال ان هذه المجموعة كانت تعتزم إرسال طفلة عمرها ثلاث سنوات، إلى وزارة العدل السورية المزدحمة، ولف جسمها بالمتفجرات، وقال ايضا ان السلطات السورية احبطت هجوما العام الماضي على السفارة الاميركية في دمشق، بواسطة شخص كان يحمل قنبلة وبندقية آلية. وقال الأسد ايضا ان الولايات المتحدة لا تفهم عدوها المشترك المتمثل في قوى التطرف والتعصب الديني، وهي القوى التي ظلت سورية تحاربها من الخمسينات، ويعتقد ان هذه التوجه خطير على أية جهة «على الشرق وعلى الغرب». وفي مراسم تشييع البابا هذا العام صافح الاسد، الرئيس الاسرائيلي موشيه كساب. وحتى عندما كانوا يتفاوضون مع الاسرائيليين خلال فترة رئاسة كلينتون، رفض السوريين أية مصافحات علنية. وقال الأسد عن كساب عندما سألته عن المصافحة، «الله خلقه. وكل من خلقه الله تجب تحيته».

نشأت أسماء الاسد، ابنة طبيب القلب، في لندن وتخرجت من جامعة لندن. وعملت فترة كمصرفية في نيويورك، أولا مع دويتش بانك ثم مع جي. بي. مورغان، حيث عملت في مجال عمليات الاندماج والاستيلاء. وقد أحبت نيويورك، وبينما كانت تعيش في شقة بالجزء الأعلى من المدينة، كانت تريد أن يكون مفهوما أنها تفضل العيش في وسط المدينة. كما عملت في باريس، وهي تتحدث الفرنسية والاسبانية. ولديها أقارب في هيوستن. وقد قبلت في برنامج هارفاد لنيل الماجستير في ادارة الاعمال، عندما اختارت العودة إلى سورية والزواج من الأسد، بعد اقل من سنة من توليه الحكم في أعقاب رحيل والده. ولدى الزوجين ولدان وبنتان، الأكبر هو حافظ عمره ثلاث سنوات ونصف السنة. وبدأت عائلة الأسد تتحدث الانجليزية مع حافظ مع التركيز على لغته العربية أولا. وليست لديهما رعاية يومية خاصة، ويعتمدان في ذلك على العائلة الأوسع. وتبلغ أسماء الأسد الآن التاسعة والعشرين من العمر، أي انها اصغر بعشر سنوات من زوجها. ولكن ذلك كله جاء في وقت لاحق من الحديث. وانتهى الأمر إلى أنه بقولها انها تريد الحديث عن نفسها، كان لديها شيء معين في ذهنها، بدا المقصود منه تحذيرا لغريب يسأل عن التغيير، وربما عن أمل الإدارة الاميركية في إعادة صياغة الشرق الأوسط. وقالت «جئت إلى العيش في سورية للمرة الأولى قبل خمس سنوات. ان حقيقة أنني أتحدث اللغة ذاتها لا تعني شيئا. كما لا تعني شيئا حقيقة أنني أفهم الثقافة. لأنني لم أكن أعرف آليات المجتمع».

كانت معتادة على العمل في بنك كبير بهدف واضح، حيث «النظام لا يسمح لك بالابتعاد عن ذلك الهدف، أو الخروج عن تلك البؤرة». وقالت ان سورية تفتقر إلى المؤسسات، وحتى العادات الأساسية، مثل صيغ «الغياب عن العمل بإجازة». وهنا «اذا ما أخذ المرء إجازة يوم من العمل، يتساءل الآخرون: أين هو؟ لا نعرف، انتظر، دعونا نتحرى. أين رقم الهاتف للاتصال؟ دعونا نسأل الإدارة. ولديهم الرقم القديم الذي عمره 20 سنة». وقالت بعد دقائق، ان كل وزارة «تدير كل شيء بمفردها». ان شح الإداريين الأكفاء لازمة متكررة للزوجين.

وقالت انها قاربت مشكلات سورية في البداية كامرأة أعمال، ولكنها أضافت ان الأسد «أعاد إلي مسحتي الانسانية». ان تقليص الوظائف، مهما كان ضروريا، يعني إلحاق الأضرار بالأسر.

ماذا قالت للسوريين، الذين يعتبرون هذه الحكومة حكومة قمعية سجنت الخصوم السياسيين؟ ردت «كم عدد السجناء السياسيين، وكم عدد من أطلق سراحهم؟». فقد أطلق الاسد سراح مئات ممن كانوا سجناء في عهد والده، على الرغم من أنه سجن بعضا في عهده. «كم عدد السجناء لديكم في الولايات المتحدة من السياسيين والعاديين؟ هذا لا يعني ان مجتمعكم قمعي أيضا. ولكن بالتركيز على شيء واحد تنحرف الصورة».

وعندما أثرت موضوع اعتقالات منتدى الأتاسي مع الأسد، تصورت أنه ربما يصف ذلك بالغلطة. ولكنه لم يتنازل ابدا. وتساءل «عندما تعرفون في الولايات المتحدة، أن شخصا ما، لديه علاقة مع القاعدة ماذا تفعلون؟ تعتقلونه». وقال ان الإخوان المسلمين «ارهابيون. فقد قتلوا ما يزيد على 15 ألفا في سورية» «ذلك هو الرقم الرسمي. ويعتقد أنه اقل من عدد من قتلوا في هجوم النظام». وقال ان اعضاء مجموعة الأتاسي، اطلق سراحهم بعد أن قالوا انهم «لن يكرروا ذلك ثانية». وفي الوقت الحالي ما يزال عضو منتدى الأتاسي الذي قرأ الرسالة الإلكترونية بصوت عال، وهو علي العبد الله، في السجن. ان موضوع الطائفية يخلق صعوبة أمام النظام. فمن ناحية يود التأكيد على انه أفلح في تخفيف التوترات الطائفية. ومن ناحية ثانية يود التأكيد على ان هذه التوترات تشكل تهديدا خطيرا. وفي المقابلة أكد الأسد على النقطتين. وعندما أشرت إلى الاضطهاد التاريخي للعلويين وسألت عما اذا كان يعتقد ان مثل هذه الجراح قد اندملت، أجاب بلهجة لامبالية قائلا «الدليل هو أنني في الحكم». انه لم يذكر ذلك ولكن بطريقة أخرى أشار إلى دليل: فزوجته سنية.

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)