عاشت لندن، استثنائياً، يوماً بغدادياً عادياً. هل يمكن تقديم هذه الملاحظة من دون خوف الاتهام بتبرير الإرهاب؟ هل هناك من يهتم بضحايا العراق؟ هل هناك من احتسب القتلى المدنيين الأبرياء الذين سقطوا، قصداً أو عن غير قصد (مع العلم أن الفرق ليس بسيطاً)، بنيران قوات الاحتلال؟ لماذا يبدو، أحياناً، أن البريطاني المستقل للمترو أغلى وأعز من العراقي المحتفل بزواج؟ هل يمكن امتلاك القدرة الأخلاقية لإدانة القتل العشوائي في عاصمة غربية إذا لم يقترن ذلك بإدانة غزو العراق؟

هذه الأسئلة، وغيرها، لا تخطر في بال طوني بلير وجورج بوش. يفكّر الاثنان عبر الاستخدام الذرائعي ل“الجواهر الثابتة”: الخير والشر، نحن وهم. وكما في لندن، وقبل ذلك في نيويورك، يهبط التفسير مثل مقصلة: يريدون إلحاق الأذى بنا لتأصل الحقد في نفوسهم، ومبعث الحقد هو كراهيتهم لما نحن عليه، وبما أنه لا مجال لتغيير طبيعتنا فعلينا محاصرة كراهيتهم وتغييرهم، ولذا فإننا مضطرون إلى حرب لا نهاية لها من أجل القضاء على الشر في نفوسهم أو، على الأقل، إفهامهم أنهم لن يستطيعوا إلغاء ما اخترناه لأنفسنا. إن هذا الجواب على “لماذا يكرهوننا” قاد إلى السياسة الهجومية المعروفة. لم تكتفِ بالرد في أفغانستان بل ذهبت إلى العراق في ظل شعارات وتبريرات زائفة انقلبت، لاحقاً، لتصبح “مهمة تغييرية” في الشرق الأوسط الكبير.

لا يفعل بلير وبوش غير قلب الحقائق، حقائق التاريخ وحقائق الحاضر. إن الدول الغربية هي التي قدمت إلى الشرق الأوسط وسيطرت على شعوبه وثرواته. وهي التي تدخلت فيه وأنشأت دوله. وهي التي فوّضت نفسها حق الانتداب. وهي التي زرعت إسرائيل في قلب المنطقة وحمتها. وهي التي حاربت كل استقلال اقتصادي، وكل مشروع تنموي، وهي التي رعت حروباً عديدة وأنشأت أحلافاً وأقامت قواعد وشجعت انقلابات... ثمة عقود وعقود، وأكثر، من الحضور الغربي التوسعي هنا كما في العالم.

لن نقول رأياً في هذا الحضور. نكتفي بما تقوله الإدارة الأميركية الحالية تبريراً لسياستها الراهنة. تقول إنها استمرت خلال ستة عقود في سياسة خاطئة تماماً تقوم على تأمين المصالح عبر الدفاع عن الاستقرار الآسن الذي تؤمّنه الأنظمة القمعية والديكتاتورية. ويضيف أركان الإدارة، بدءاً من بوش نفسه، أنها اكتشفت، أخيراً، أن هذه السياسة لم تجلب لها لا الاستقرار ولا الأمن ولذا قررت تغييرها وإطلاق عملية التبشير الديموقراطي.

تؤكد هذه النظرية على هوية المتدخل في شؤون الآخرين. ومع أن المتدخل يزعم اليوم أن وجهة التدخل تغيّرت إلا أنه لا ينكر واقع التدخل. وبكلام آخر ليس المتدخل في موقع الدفاع عن قيمه ونمط حياته بل في معرض تصديرها بصفتها قيماً كونية لا تمانع في أن تحملها البوارج والمدافع. ومع ذلك، وما ان يحصل تفجير، حتى يبادر بوش وبلير إلى إنكار هذا الواقع والزعم أنهما في موقع دفاعي ضد “الهجوم البربري”.

هناك أجيال وأجيال من شعوب المنطقة تربت على رفض السياسة الأميركية “والبريطانية” السابقة، وهو رفض بات يشارك فيه بوش وبلير، ومن المنطقي النظر إلى النوايا الجديدة المعلنة بعيون الشك.

ويحق لأبناء المنطقة، أيضاً، التدقيق في مدى التغيير وصحته وصدقه. فنحن نعيش، في الواقع، حرباً شنت بحجج ثبت بطلانها وكذبها، فما الذي يمنع استمرار هذه الحرب بادعاءات كاذبة؟ ماذا لو كانت الديموقراطية المزعومة خرافية بمثل خرافية أسلحة الدمار الشامل؟ إن أي تدقيق سريع في السياسات المتبعة حيال بلدان المنطقة يظهر الحقيقة القائلة بأن حجم التطلب الديموقراطي من الأنظمة يتناسب تماماً مع حجم التطلب السياسي منها ومع رفضها الالتحاق التبعي المعروض عليها.

إلى ذلك يحق لمن يريد أن يرفض الانتقائية المعروضة عليه. أي أن من حقه أن يقلّد أميركا في وطنيتها لا في أي شيء آخر، ومن حقه أن يقلد شعبها في اهتمامه بأصدقاء وحلفاء، ومن حقه أن يحذو حذوها واضعاً مصالحه فوق كل اعتبار...

وأخيراً يحق لقوى في المنطقة أن ترفض المنطق من أساسه حتى لو ثبت أن الولايات المتحدة مخلصة في خطابها وأنها تنوي، فعلاً، تعميم ديموقراطيتها على الجميع. يمكن لهذه القوى أن تطوّر اعتراضاً دينياً وثقافياً. نعم، قد يعبّر ذلك عن انطواء، وعن تخلف، وعن رفض الاندراج في الحصر. إلا أن الحق حق. وممارسته لا تعني، في كل الأحوال، أن هناك من يتوجه إلى نيويورك أو لندن من أجل فرض قيمه ومحاربة قيم الآخرين ونمط حياتهم. وإذا وجدنا من “يتوجه” إلى الخارج فإنه يفعل ذلك، على طريقته، رفضاً لمشروع قولبته وفرض قيم ونموذج عليه.

في دراسة عن “المنطق الاستراتيجي للإرهاب الانتحاري” أثبت الباحث روبرت باب أن الباعث العميق للعمليات التي تقوم بها “القاعدة” هو الدفاع عن أرض البلدان الإسلامية. وهذا على الأرجح صحيح ولو أنه يأخذ الشكل العبثي والعدمي المعروف.

لا بد من إدانة أسلوب “القاعدة” و“وعي” القاعدة. غير أن الإدانة لا يجوز لها أن تعمينا عن حقيقة المشهد العام والقائل إن منطقتنا تتعرض، منذ فترة بعيدة، لمحاولة إخضاع واستتباع، والواضح أن المنطقة، التي تعاني تدهوراً مذهلاً، والتي يشارك بعض أبنائها في صناعة بؤسها، تستنبط، في كل مرحلة، أسلوب مقاومة وممانعة. وبقدر ما تتراجع الحصانة الإجمالية لهذه المنطقة، تحت ضغط بعض الخارج المتحالف مع بعض الداخل، بقدر ما تنحو المقاومة إلى أن تعتمد هذا الأسلوب الاستعراضي والدموي.

لا صحة إطلاقاً لما يردده بوش وبلير بأن هناك من يحارب “الغرب” في داره لأنه يكره قيمه ويريد إرغامه على التخلي عنها. إن من يحارب “هناك” يرى في ذلك رداً على التسلط الذي تتعرض إليه بلاده ودينه. ولن يفهم هذه الحقيقة إلا من يرفض التسلط الفعلي باسم قيم إنسانية مشتركة يدعي بعض الغرب أنه يريد نشرها. تفجيرات لندن، بهذا المعنى، عمل حربي. عمل حربي دفاعي. عمل حربي دفاعي إرهابي. إن هذه الوحشية هي الضريبة المدفوعة لرد غائلة الغزوة الكولونيالية على المنطقة وأهلها. من يرفض الغزوة الأصلية يحق له إدانة هذه الردود عليها. ولكن يبقى عليه أن يقترح بديلاً أكثر نجاعة.

مصادر
السفير (لبنان)