تولي جون قرنق نيابة رئاسة السودان، بعد تولي جلال طالباني رئاسة العراق، حدث غني بالمعاني من غير أن يكون هذا الغنى ضامناً، بالضرورة، للنجاح. فإلى الإقرار بصيغ حكم أكثر تعدداً وأرفع شَبَهاً بتكوين المجتمعات المعنية، تنحو تسمية قرنق الى تعيين لطبيعة الثنائية الحاكمة الجديدة: فهي بين الشمال العربي المسلم والجنوب الأرواحي ذي الأقلية المسيحية الصغيرة. وهو وصف لا يحول تعميمه دون تعقيداته وحدوده واحتمالاته، كأن يختار الجنوبيون، بعد المرحلة الانتقالية، الانفصال بمناطقهم عبر الاستفتاء الموعود، أو كأن تحصل تغييرات في تركيبة الطرف الشمالي نفسه، خصوصاً أن «التجمع الديموقراطي» “الختمي” و«حزب الأمة» “المهدي” و«حزب المؤتمر الشعبي» “حسن الترابي” لا تزال، بتفاوت في النسب، خارج السلطة والقرار. وبطبيعة الحال يبقى انعكاس التسوية الجديدة على دارفور ومسلميها غير العرب في الغرب أحد معالم المستقبل السياسي للسودان: فهل تتسع، مثلاً، الثنائية الجديدة لطرف يمثّل الغرب بعد وقف نزفه ومأساته؟ وهل تصير الثنائية ثلاثية بالتالي؟

أما العراق فرسا، بدوره، وحتى إشعار آخر، على ثنائية شيعية - كردية ساهم في صنعها احتجاب السنّة العرب عن العملية الانتخابية. بيد ان استقرار الثنائية الحاكمة، هنا، تبدو أصعب منالاً منه في السودان. يعود هذا الى أسباب عدة أحدها الفارق بين ما ينتجه الضغط من الخارج وما ينتجه الاحتلال الخارجي، وكون الطرف الذي يتعرض للضغط في الخرطوم سلطة فيما معادله العراقي مجموعات مسلحة متناثرة وغامضة.

وقصارى القول ان ثمة ميلاً ناشئاً الى توسيع قاعدة السلطة عبر صيغ ثنائية، وربما ثلاثية، لا يزال مبكراً الجزم بنجاحها، وثمة حجج وجيهة لتوقّع فشلها. غير انها، وفي الحالات جميعاً، تقف في منطقة وسطى بين استبداد الوضع السابق وبين الديموقراطية. وهو قد لا يكون وضعاً بعيداً عن لبنان، على ما يشي تشكيل حكومته والمناورات في صددها و«حروب» الحقائب الوزارية. ويلوح كأن مؤدى المعركة التي يحجبها الكلام التلفيقي والتقليدي للسياسة اللبنانية يدور حول السؤال الضمني الآتي: من يكون الطرف الثاني في الصيغة الثنائية اللبنانية (إذا ما سلّمنا بأن الطرف الأول هو السنّي ممثلاً بتيار المستقبل)؟ هل سيكونون المسيحيين “التيار الوطني الحر أساساً” أم الشيعة “حزب الله/ أمل”

ويرتّب كل من الاحتمالين إجابات داخلية واقليمية ودولية، سياسية واقتصادية، كما يفتح أفقاً للتطور “وربما للتوتر” لا يفتحه الاحتمال الثاني. لكنْ يتراءى كأن المأزق الحكومي هو، بالضبط، الرغبة في عدم الإقرار بهذه المشكلة والسعي، من ثم، الى حل توفيقي يتجنب الحل الفعلي، وهذا من غير ان يعني أن الإقرار والحسم كفيلان بتوفير الحل.

فإحدى الثنائيتين تردّ الى تاريخ لبنان الحديث وتسهّل تجاوبه مع العالم الخارجي فيما تشرعه على وعود اقتصادية ممكنة التحقق، إلا أنها تنزل بالشيعة، وهم إحدى أكبر الطوائف عدداً إن لم تكن الأكبر، تهميشاً سياسياً قد يتخذ اشكالاً أهلية قابلة للعطب والانفجار. أما الثنائية الأخرى فتردّ الى صورة لبنان ما بعد الحرب وتضعف العلاقة بالعالم الخارجي كما تخفض الهمّ الاقتصادي والمالي الى سوية متردية في الاهتمام. وهي، في الآن نفسه، تستأنف التهميش الذي أنزلته السنوات الماضية بالمسيحيين، وهم حرّاس خصوصية لبنان في منطقته!

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)