عندما قال “جاليليو” وفق نظرية علمية متماسكة، إن الأرض ليست مركز الكون إنما هي كوكب كالكرة يدور حول الشمس، تعجلت الكنيسة فحاكمته وطلبت منه إقراراً واضحاً بكذب ما وصل إليه. أي كان عليه أن يكذب علمياً كي يصدق دينياً. وعبر سلسلة المحاكمات التي مر بها العلماء بالذات، كان واضحاً أن طريق العلم مختلف بالكلية عن طريق الدين. ودارت الأيام لتعترف الكنيسة بصدق "جاليليو"، بل وتقدم له اعتذاراً لائقاً يعبر عن مدى التطور الذي حدث للمؤسسة الدينية المسيحية لتواكب الزمن وتتعايش مع جديده، ليمكنها الاستمرار ولو مع كثير من التنازلات عن شؤون كانت تعتقدها حكراً على الله وكتابه المقدس، فإذا بها أضغاث أحلام وأوهام من أساطير الأولين.

كان للكنيسة كي تستمر في الوجود أن تترك العلم لأهله، والقانون للناس كي يصوغوه حسب مشيئتهم بما يحقق مصالحهم، لتستمر قائمة ترعى شأناً لن يرعاه العلم ولن يهتم به القانون، وهو الجانب الوجداني والروحي والقيمي. ومن ثم عقدت صلحها المضطر مع منهج التفكير العلمي حتى تتمكن من البقاء، تستقبل أصحاب المعاناة النفسية، ومن ثقلت ضمائرهم بالآثام لتعيدهم إلى الحياة مرة أخرى, الحياة التي يملكها العلم ولا تملكها الكنيسة. أصبحت الكنيسة سنداً روحياً للقلقين والحيارى، واستمرت تمارس وجودها بالإصرار على الأسرة كوحدة اجتماعية سليمة لمجتمع سليم. أصبحت جزءاً من الحاضر بكل تعقيداته وإبداعاته، بل ربما أصبحت مع التطور المادي الهائل هناك ضرورة ضامنة لمجتمع يتباعد ويتفكك إنسانياً بفعل التقدم التقني الهائل هناك. أصبحت ظهيراً للإنسان العالم بعد عداوة طالت زمناً وطالت رقاباً لن تعوضها الإنسانية. هنا أعلن المرحوم "ابن باز" منذ سنوات قليلة أن من قال بكروية الأرض قد كفر كفراناً لا محيص عنه! بينما منذ أشهر أقل أعلن العالم العلامة الشيخ الدكتور زغلول النجار رئيس الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن أعلن فضيلته أن مكة المكرمة هي مركز الكون، في كشف غير مدوٍ كتبه في صحيفة "الأهرام" القاهرية، التي تفرد له صفحة كاملة أسبوعياً، مما يكشف لنا إلى أي مستوى وصل العرب, عندما لم يدوّ الكشف إلا في “الأهرام” فقط. ويا لوعة القلب عليك يا وطن!

المشكلة هنا أن كشف الدكتور النجار أصبح بدوره لا محيص عنه، ولا تفهم حكاية لا محيص هذه! إلا في ضوء ما يفرض على المسلمين فرضاً حتى في فهم شؤون دنياهم أو علم زمنهم. فهناك دوماً نظرية لا محيص عنها لدينا تواجه ذلك العلم الغريب غير المسلم بل والكافر، إما بالمخالفة وتكفير من اتبع العلم كما عند “بن باز”، أو بالموافقة للعلم، ولكن عبر تمريره أولاً على ذائقتنا الدينية الحساسة المقدسة، لنسمح بذلك بمروره عبر جماركنا “العلمدينية” ليأخذ الموافقة بالمرور من عدمه.

إن “ابن باز” يعادي العلم ومعه فريق كبير وهو متسق مع نفسه لا ينافق ولا يتجمل، رافضاً التنازل عن مركزية الأرض المسطحة، لأن فيها مكة والمدينة والقدس، ومثل تلك القدسية لا تكون على كوكب مثله مثل كواكب أخرى تدور حول شمسها وليس فيها مقدسات. وابن النجار يوافق العلم أو هو بالأحرى ينافق العلم حتى لا يقول ولا يكتشف إلا ما نريد نحن، ولا يكتشف إلا ما وافق مقدسنا، فإن قال بخلاف ذلك قام هو ومنظمته العالمية للإعجاز العلمي بإعادة اكتشاف ما تم اكتشافه لكن في القرآن.

يطرح هذا التساؤل المنطقي نفسه عن مدى جواز اعتدادنا بكوكب الأرض لنجعله مركزاً للكون بينما أربعة أخماس سكانه من غير المسلمين، كفرة والعياذ بالله، فماذا عن الملائكة الطاهرين بالمليارات منهم الركع ومنهم السجود ومنهم المسبحين لرب العالمين حيث عرش الرحمن؟. ألا يستحق هذا المكان في نظر المسلمين أن يكون هو مركز الكون أينما كان؟ إن "ابن باز" أخذ بالموقف الظاهر للآيات ببساطة ورفض ما يخالفها من نظريات العلم بحكم مسؤوليته كمفتٍ أمام ربه يوم الحساب، فأصر على مركزية الأرض. بينما "ابن النجار" زايَد على الموقف كله ليدخل في صلب الموضوع الأساسي وسر التقديس ليجعل مدينة مكة المكرمة ليست فقط مركز الكوكب الأرضي, (وهذا في حد ذاته نكتة لأن أي نقطة على سطح كروي تصلح مركزاً لتلاقي خطوط هذا المحيط) بل إن مكة رغم أنف العلم والعلماء في الدنيا هي مركز الكون كله، دون أن يستطيع عالم واحد في العالم مهما بلغت مكانته، ومهما حصد من جوائز وتقدير أن يزعم معرفته بحدود الكون وأقطاره بدقة تجعلنا نجعل من مكة مركز الكون. لو قال مكة مركز الأرض لسامحناه بحسبانه يمرر ألاعيبه الاستعراضية على بسطاء المسلمين، ولأنها لن تخالف نقطة أخرى على سطح الكرة فتأخذ الوصف نفسه. لكنه قال إنها مركز الكون. ألا تروننا منشغلين بشؤون تضعنا زمنياً في مرحلة زمنية وارتقائية تقع قبل جاليليو... لا محيص؟!

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)