عقب تفجيرات لندن مضى رئيس الوزراء توني بلير والرئيس بوش إلى مشاغلهما الاعتيادية. وقالا ان ذلك الهجوم إنما كان موجهاً ضد الحضارة والأمم المتحضرة. ولكن هذا كلام فارغ ومضحك وفيه اساءة للناس واستخفاف بعقولهم. فالخطوة الأولى البديهية في حل أي مشكلة هي تعريف المشكلة وتحديدها بصورة دقيقة وصحيحة. فليس هناك إرهابيون في أي مكان في العالم ينحصر هدفهم في تدمير الحضارة، غربية كانت أو غيرها. الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى واسبانيا كان دافعها الوحيد هو السياسات الغربية تجاه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والوجود العسكري الغربي في الدول الإسلامية. فتنظيم القاعدة الذي يعتبر المصدر الايديولوجي لهذه الهجمات كثيراً ما أوضح وبصورة حازمة الأسباب التي تدفعه للحرب ضد الولايات المتحدة.

ولا يمكنك ان تنتصر في حرب ما لم تكن تعرف عدوك وتعرف لماذا هو عدوك وما هي أهدافه. عند ذلك فقط يمكنك أن توجه قواتك العسكرية والسياسية لقتاله بصورة ناجحة.

ولكن بكل أسف قرر الرئيس بوش منذ زمن مبكر ان يخلق عدواً أسطوريا بحجم غامض ومبهم وأهداف غير منطقية. وقد تم ذلك بهدف اعطاء الحكومة تفويضاً مطلقاً وسلطة تامة لاتباع سياسات لا تمت بصلة حقيقية لمحاربة تنظيم القاعدة، مثلاً غزو العراق ووضع كوريا الشمالية وإيران في «محور الشر» وضم جماعات لقائمة الاعداء لم يكونوا في الحقيقة أعداء لنا.

الخلط الذي يسببه مثل ذلك القرار ظهر جلياً في التغطية التليفزيونية لهجمات لندن. فقد كان عدد كبير من المعلقين يجمعون من دون تمييز بين الهجمات الإرهابية التي ضربت المواصلات العامة في موسكو ومدريد ولندن. ليس لهجوم موسكو صلة بهجمات مدريد ولندن وليست له صلة بنا. موسكو تحارب ثوار الشيشان الذين يناضلون من أجل استقلال بلادهم. هجمات الشيشان ضد الروس مثل هجمات الفلسطينيين على إسرائيل غير موجهة ضدنا. وتحركهم أهداف سياسية محددة. ليست لدى الشيشان والفلسطينيين رغبة في تدمير الحضارة وهم يرغبون فقط في أن يكون لهم مكان بين الأمم في دولتين مستقلتين.

لا يمكنك ان تدخل في حرب ضد الإرهاب لأن عدداً من الناس أشاروا عليك بأن الإرهاب تكتيك يستخدمه أناس ليست لديهم قوة عسكرية حقيقية. الإرهاب ليست هوية ووجوداً قائماً بذاته. وليست هناك منظمة إرهابية على مستوى العالم.

والتكتيكات الإرهابية تحقق نجاحاً لاننا نعيش في عالم مربوط ببعضه البعض بوسائل اتصالات حديثة. يمكن لعدد محدود من الناس أن يضعوا بضع قنابل في لندن ثم تتجه أنظار العالم الالكترونية نحو الحدث وتبدأ النقاشات والدردشات عبر الإنترنت بالإضافة إلى لقطات الفيديو التي تشغل المشاهدين إلى أن يقع حدث جديد يجتذبهم. التركيز الإعلامي وخطب السياسيين تضخم العمل الإرهابي وتعطيه حجماً أكبر بكثير من حجمه الحقيقي.

هذه الهجمات التي تسبب شيئاً من الازعاج لا يمكن ايقافها بصورة كاملة. ويمكن لعدد قليل من الناقمين على حكومة ما، تحت تأثير خطاب شخص ما، ان يجتمعوا ويضعوا قنبلة أو قنبلتين أو يطلقوا النار على بعض الناس. ويمكن اعتبار الإرهابيين مجرمين كما يمكن اعتبار أعمالهم جرائم عادية. والتعامل مع الإرهابيين ينبغي أن يكون من ضمن الأعمال الاعتيادية للشرطة. وينبغي ألا تكون هناك على الاطلاق كلمة «حرب».

وبدلاً عن غزو واحتلال البلاد الأخرى ينبغي على الولايات المتحدة أن تراجع سياستها الخارجية خاصة مع العالم الإسلامي. فليس هناك صراع طبيعي بين الغرب والإسلام.

مصادر
الشرق (القطرية)