يتوقع قسم كبير من الأسرة الدولية أن يُعيد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة الإسرائيليين والفلسطينيين الى مسار “خارطة الطريق”. فضلاً عن ذلك، يُعتبر رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، زعيماً قادراً على وضع حد لعنف الفلسطينيين، إجراء إصلاحات في المجتمع الفلسطيني واتخاذ قرارات حول التسويات المطلوبة للتوصل الى اتفاق مع إسرائيل.

ببساطة لا يُعقل كيف أن ديبلوماسيين وإعلاميين يرفضون الاعتراف بالواقع السائد في السلطة الفلسطينية. يبدو أنهم غير مستعدين لاستيعاب الأخبار السيئة التي تفيد أن محمود عباس لم ينجح في تحقيق المهمة التي تستحق الثناء بحد ذاتها. أضف الى ذلك، فإن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة سيعزز عملياً الميول التقسيمية في المجتمع الفلسطيني، سيتسبب بمزيد من الفقر في أوساطه وسيحوله الى مجتمع أكثر توجهاً نحو العنف، وأقل استعداداً للتوصل الى اتفاق مع إسرائيل.

لسوء الحظ، لا يستطيع أبو مازن تجاوز الإرث السياسي لياسر عرفات. فالسلطة الفلسطينية أيام عرفات كانت منظومة فاسدة سيطر فيها عبر أسلوب "فرّق تسد". فهو أفسح بالمجال أمام التنافس بين قادة وهيئات مختلفة، وحتى إنه سمح بوجود ميليشيات وأعطى لنفسه منصب المفتي الأعلى وقام بتوزيع الوظائف والرشاوى. وقد أُصيبت هذه المنظومة المشتتة بالانحطاط في نهاية الأمر حتى وصلت مرحلة الفوضى وغياب القانون والنظام.

عباس، الذي يتمتع وسط الرأي العام الفلسطيني يمكانة أدنى بكثير من مكانة عرفات، انتُخب في كانون الثاني 2005 رئيساً للسلطة بعد أن تعهّد بفرض القانون والنظام. وهو فضل استيعاب المسلحين في أجهزة الأمن الرسمية وعدم الدخول في مواجهة مع العصابات المسلحة، وهو حقق حتى الآن نجاحاً جزئياً فقط. لكنه فشل فشلاً ذريعاً عندما حاول تنفيذ إصلاحات في أجهزة الأمن وتعيين ضباط جدد وموالين له على رأسها. وفي الحقيقة، استمرت الفوضى من دون أي عائق كما يمكن الاستدلال بوضوح من الهجمات الأخيرة التي تعرض لها موظفون في السلطة الفلسطينية، مواطنون وعصابات أخرى.

فضلاً عن ذلك، وخلال المفاوضات المتصلة بإسرائيل التي أجراها مع قسم من الميليشيات في شهر آذار الماضي، نجح عباس في إحراز وقف نار هش “تهدئة” فقط. صحيح أن مستوى الإرهاب الفلسطيني انخفض بقدر ملموس ـ لا سيما بسبب الوسائل المضادة للإرهاب التي اتخذتها إسرائيل والتعب الفلسطيني من الصراع ـ لكن الميليشيات الفلسطينية، بما فيها تلك التي وافقت على التهدئة، زادت خلال الأشهر الماضية من محاولاتها لمهاجمة أهداف إسرائيلية، وشكّلت بذلك تحدياً لسلطة عباس.

إن الأزمة الاقتصادية المستمرة في السلطة الفلسطينية تُضعف نظام عباس أكثر، حيث دخلت حماس الى داخل الفراغ الذي نشأ وأقامت منظومة من الخدمات للسكان وتمتعت بصورة المنظمة المستقيمة التي تخدم شعبها بإخلاص. وقد حققت حماس نجاحاً في الانتخابات الأخيرة للسلطات المحلية، ووفقاً لاستطلاعات للرأي أُجريت في الفترة الأخيرة، تتمتع حماس بتأييد ثلث الشعب على الأقل. ويُبشر التأثير المتزايد لحماس على السياسة الفلسطينية بصعوبات متزايدة إزاء مسألة تجريد الجناح العسكري لحماس من السلاح، الخطوة التي ستحوّل سعي أبو مازن لاحتكار استخدام القوة الى هدف أبعد بكثير. فقوة حماس المتزايدة ستؤدي أيضاً الى تصلّب مواقف الفلسطينيين في الصراع مع إسرائيل وستزيد من صعوبات التوصل الى اتفاق. في النهاية، فإن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في آب سيضع أبو مازن والمنظومة السياسية الفلسطينية أمام اختبار يصعب حمله. فقدرة السلطة الفلسطينية على منع سرقة الممتلكات الإسرائيلية التي ستبقى، وقدرتها على ضمان سيطرة فاعلة على الأراضي التي ستخليها إسرائيل، بعيدة عن أن تكون أكيدة. كما أن المساعي لتنسيق الانسحاب مع الفلسطينيين ليست مشجعة.

من المحتمل جداً أن نشهد مظاهر عنف بشأن السيطرة على الأملاك التي ستُخلى. فحماس في قطاع غزة أقوى مما هي عليه في الضفة الغربية، وهي تريد استغلال قوتها لتحسين مكانتها بشكل أكبر في وجه السلطة الفلسطينية. وكل الكتل الفلسطينية تدرك أن “الحقائق” التي ستتحدد أثناء “تحرير قطاع غزة” ستؤثر على أنماط السياسة الفلسطينية الداخلية. وحتى لو توصل عباس الى اتفاق مع الميليشيات حول تقسيم الغنيمة، فإن المشكلة البنيوية الرئيسية المتمثلة في غياب الحق الحصري لاستخدام القوة، ستبقى من دون حل. إن الأشهر الستة من ولاية سلطة أبو مازن كانت مخيّبة للآمال، ولا يمكن الافتراض أننا سنشهد تحسناً ما في المستقبل القريب. وعلى ما يبدو فإن الانسحاب من قطاع غزة سيُبرز أكثر الميول الحالية في المجتمع الفلسطيني، وسيحوّل السلطة الفلسطينية الى مُرشحة لنيل صفة "دولة فاشلة" على غرار الصومال.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)