هل كان بإمكان الإدارة الأميركية اختيار مسار مختلف في العراق كان من شأنه أن يجعل البلاد الآن في مرحلة متقدمة على الطريق نحو تشكيل حكومة شعبية، ويكلف عدداً أقل من الضحايا؟ يجد كتابان [1] – بين أول الروايات “الداخلية” عن الحرب من تأليف مستشارَين سابقين في العراق – أن البيت الأبيض مذنب بإرساء احتلال غير كفي. ربما لا تزال الحكومة التمثيلية تتولى زمام الأمور في بلاد ما بين النهرين لكن لاري دياموند، الباحث في مؤسسة هوفر في جامعة ستانفورد والذي استدعته مستشارة الأمن القومي آنذاك، كوندوليزا رايس، إلى الخدمة الموقتة في بغداد في مطلع 2004، وديفيد ل. فيليبس، الزميل في مجلس العلاقات الخارجية الذي عمل مستشاراً لوزارة الخارجية قبل سقوط صدام حسين وبعده، ليسا متفائلين حيال ما يجري.

وعلى الرغم من التشابه في الموضوع، كتاب دياموند “الانتصار المهدور” وكتاب فيليبس “خسارة العراق” مختلفان جداً. فالأول هو في شكل أساسي مذكرات ثلاثة أشهر في العراق: من كانون الثاني إلى آذار 2004، وهي المرحلة التي عمل فيها دياموند في سلطة التحالف الموقتة التي كانت المركز الدماغي للاحتلال بإدارة بول بريمر الثالث والجيش الأميركي. أما كتاب فيليبس فهو رواية عن العمل لفترة سنة على "مشروع مستقبل العراق" أي وثيقة التخطيط السابق للحرب التي مجدتها وزارة الخارجية كثيراً لكنها لم تُستَعمل إلا قليلاً. “الانتصار المهدور” كتاب جدي أما “خسارة العراق” فلا.

بعد شهرين من استدعاء رايس له كي يدخل الخدمة العامة، وصل دياموند إلى بغداد. لم تكن لديه فكرة واضحة عما سيفعله – كان هذا مصيراً مشتركاً في سلطة التحالف الموقتة لا سيما بالنسبة إلى المدنيين الأميركيين المكلفين بمهمة موقتة. انزعج دياموند، وهو الباحث الذي بنى سمعته من الكتابة عن الديموقراطيات الشابة، من الطبيعة المرتجلة لعملية صنع القرارات المرتبطة بالاحتلال. وغالباً ما تأثر كثيراً بالتزام الأميركيين والعراقيين الذين عمل معهم وحتى أحياناً بالتخطيط الذي كانوا يقومون به. اعتبر أن خطة سلطة التحالف الموقتة لبناء الديموقراطية في العراق «مدهشة ومثيرة للاهتمام من الناحية المفهومية»، وكرس نفسه لعمله الذي تحول نوعاً ما نحو إعطاء دروس خصوصية للعراقيين والعمل كباحث مقيم لدى الأميركيين.

اجتمع الدوران معاً عند شروع واضعي المسودة العراقيين ومراقبيهم الأميركيين الذين راوح سلوكهم بين التطفل والتحفظ، في كتابة القانون الإداري الانتقالي الخاص بالعراق، أو الدستور الموقت أو اعادة كتابته. بعد توقيع الدستور في 8 آذار 2004، بدأ دياموند "يبيعه" إلى الجماهير العراقية «التي أظهرت رغبة قوية في الاطلاع على الوثيقة ومناقشتها – وليس قبولها وتمجيدها بكل بساطة بل تشريحها والاستفهام عنها ومناقشتها ولعنها». أصبح دياموند الصوت الذي ينقل الآراء العراقية إلى الأميركيين المسيطرين على سلطة التحالف الموقتة والذين كانوا صغاراً جداً في السن ويزدادون عزلة. وعلى الرغم من أن معلوماته عن العراق محدودة جداً ولا يتكلم العربية وكان يتردد كثيراً في التنقل خارج المجمع الأميركي في بغداد بدون حراسة أمنية مشددة، حاول أن ينقل مشاعر السكان المحليين ونقاط الضعف في السياسة الأميركية إلى زملائه في الأوساط القريبة من مراكز النفوذ «الذين كانوا يتنقلون أقل منه حتى».

وإذ يدرك دياموند حدوده، يتشاطر الأضواء بسخاء مع الآخرين. يشدد في شكل خاص على الجهود الهائلة التي بذلها مايكل غفولر من أجل الديموقراطية، وهو مسؤول في الخدمة الخارجية يتكلم العربية، وبالإضافة إلى كونه مثقفاً، يتقن لعبة الشارع وقد أدار بمفرده تقريباً العرض الأميركي في المناطق الشيعية الحساسة جنوب بغداد، فتواصل مع شيوخ ورجال دين ووجهاء قوم في القبائل الشيعية. غفولر هو من الأبطال الحقيقيين في الاحتلال الأميركي، واندهاش دياموند بمواهبه وإنجازاته خير تعبير عن إنصاف الكاتب مواطنيه في العراق.

لسوء الحظ، الطريقة التي رُسِمت بها الشخصيات في “الانتصار المهدور” ضعيفة في شكل عام. يظهر عراقيون وأميركيون ويختفون، وبعضهم يظهرون باستمرار لكن نادراً ما يعطينا دياموند فكرة قوية عن الهوية الحقيقية لهؤلاء الأشخاص. وعبر اقتباسه عن زميل له، يتطرق إلى مشكلة يواجهها الاحتلال: «جوهر العملية في العراق هو الدمقرطة. لكنهم لم يؤمنوا بما يكفي بهذه العملية في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والحكم المحلي. لم يكن هناك توافق آراء قوي حول بناء الديموقراطية». يلقي دياموند بهذه القنبلة بدون أن يعطي أي تفاصيل حول الزملاء الذين لم يؤمنوا بها. فتحفظه عن سبر شكوكهم وآمالهم وإحباطاتهم يجعل الكتاب يبدو أحياناً وكأنه تقرير حكومي خالٍ من الشخصيات موجه إلى مركز دراسات في واشنطن.

وما يدعو أكثر للأسف هو غياب التعليق المتبصر حول اللاعبين العراقيين الأساسيين. فمناقشته لشخصية أحمد الجلبي، الرئيس السيئ السمعة للمؤتمر الوطني العراقي، ضعيفة جداً. حتى لو كان الجلبي “طموحاً بنَهَم” و“عزيزاً على قلب المحافظين الجدد الأميركيين”، لا يساعدنا الكتاب في فهم الأحداث والقوى التاريخية التي رفعته إلى موقعه القيادي بين المنفيين العراقيين، أو لماذا ازداد نفوذه، ولم يتضاءل، مع حصول العراقيين على مزيد من السيادة، وذلك على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي أي” ووزارة الخارجية الأميركية ومجلس الأمن القومي.

كان الجلبي، الذي يُفترَض بأنه كان نافذاً ذا أساليب ماكرة في بوتوماك لكن عديم الشأن على ضفاف دجلة، القوة المحركة وراء إنشاء الائتلاف العراقي الموحد الذي فاز بمعظم الأصوات في الانتخابات الوطنية في 30 كانون الثاني الماضي. ويحتل الآن منصب نائب رئيس الوزراء وهو المسؤول الفعلي عن وزارة النفط. عبر اقتراحه بأن البنتاغون أراد فقط أن يعطي العراق للجلبي “وتالياً لم يخطط جدياً للحرب قبل وقوعها”، يبالغ دياموند في تقدير نفوذ الجلبي – حتى لو كان يقلل من تأثير رغبة وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد في تبديل الطريقة التي تخوض بها أميركا الحروب “الحروب الصغرى أفضل” وكذلك من تأثير خيارات مسؤولين رفيعي المستوى لم يشفوا بعد من الندوب التي خلفتها حرب فيتنام والذين يبدو أنهم ترددوا في القبول بحملة بشعة إضافية لمواجهة التمرد في دولة آسيوية أخرى.

يلوم دياموند المسؤولين الأميركيين بشدة على تقليلهم من شأن القوة التي تتمتع بها القومية العراقية. ويقتبس عن الجنرال جون أبي زيد، وهو مسؤول رفيع المستوى شارك في التخطيط لحرب العراق، قوله «يجب أن نكون متواضعين في كل ما نقوم به. نحن جسم مضاد في ثقافتهم». هذا السلوك محمود عند صدوره عن عالِم بالثقافة الإنسانية لكنه ليس كذلك عند صدوره عن قائد عسكري مسؤول عن حياة المدنيين العراقيين الذين يتعرضون للسرقة وإطلاق النار والذبح والتفجير بوتيرة متصاعدة.

ينتقد دياموند رامسفيلد، عن صواب برأيي، على قراره احتلال العراق مع هذا العدد الضئيل جداً من الجنود. بالتأكيد من المستحيل أن نعرف ما إذا كانت زيادة عدد المشاة لتقضي على التمرد في مهده لكن لا شك في أن استخدام قوة أكبر كان ليؤمن فرصة أفضل لجعل الطرق أكثر أماناً والمتمردين أقل شعوراً بالأمان.

يعتبر دياموند أنه يجب أن تكون للعراقيين مشاركة أكبر في حكم أنفسهم وأن يسيطروا أكثر على هذا الحكم. لكنه يتمسك بالاعتقاد – وهو لا يختلف في ذلك عن رئيسه بريمر – بأن الانتخابات الوطنية يجب أن تجري تدريجاً والأمثل أن تتم بعد فترة حضانة تستمر لبضع سنوات، تحديداً بعد أن يتم إرساء الأمن ويعاد بناء المؤسسات الوطنية المهمة وبعد أن يحظى كل الأطراف، لا سيما العرب السنة والديموقراطيين الليبراليين العلمانيين، بفرصة التنظم.

في عالم مثالي، هذا منطقي. لكن في العراق، لا يحب الناس الاحتلال وقد أصيب كثر، لا سيما رجل الدين الشيعي الأبرز، آية الله العظمى علي السيستاني، بفيروس الديموقراطية. لو اتُبِعت وصفات دياموند، لاندلعت الثورة في البلد بكامله. كان تأجيل الانتخابات الوطنية بحسب ما دعا إليه – في صحيفة “نيويورك تايمز” في كانون الثاني 2005 – ليؤلب الطائفة الشيعية برمتها علينا ويشحن كثيراً معسكر الرفضيين لدى العرب السنة. بالنسبة إلى معظم العراقيين وإلى آخرين في الشرق الأوسط، يبقى 30 كانون الثاني، يوم الانتخابات الوطنية، لحظة ملهِمة ومحملة بالآمال.

وعلى الرغم من ذلك، يجب قراءة “الانتصار المهدور” للاطلاع على ما يكشفه الكاتب عن نفسه. لا شك في أن دياموند، وهو الليبرالي الذي يتنازعه صراع عميق، كان يساوره شعور متناقض بشأن حرب العراق، ومع ذلك ذهب للعمل في مشروع جورج دبليو بوش لنشر الديموقراطية في العراق. في الواقع، غالباً ما يبدو الكتاب وكأنه علاج انتقامي، وسيلة يفصل بها نفسه عن رجال الرئيس وإخفاقهم. هذا غريب لأن صورة دياموند عن عمله وعمل الآخرين تقدم مشروعاً هو، على الرغم من كل أخطائه الجدية، عميق التفكير وتكيفي بقدر أي احتلال أميركي سابق لأرض أجنبية.

كتب دياموند: «الغطرسة والجهل والعزلة... أغرقت أميركا في الحرب قبل أي شيء آخر». كان الاجتياح كما قال له أحد الديبلوماسيين “خطيئة أصلية” انبثق عنها حتماً المزيد من الأخطاء. لكنه كان قد كتب قبل الاجتياح «من الواضح أنه ليس لدى صدام حسين نية بالامتثال لقرارات الأمم المتحدة»، وأضاف إذا «لم تتم إطاحة صدام من الداخل أو نفيه، الحرب مع العراق واقعةٌ عاجلاً أم آجلاً». على غرار الرئيس بوش، أراد دياموند منع «ديكتاتور قاسٍ ومتهور ومصاب بجنون العظمة من امتلاك سلاح الدمار الشامل الأقوى». إذن “الخطيئة الأصلية” التي ارتكبها بوش هي في الأسلوب: لم يبذل جهداً كافياً لإقناع “المجتمع الدولي” بأن عليه خوض الحرب.

يمثل دياموند من خلال هذا التناقض نزعة مهمة في الليبرالية الأميركية. من المثير للاهتمام أن نعرف إذا كان لا يزال يعتقد، كما في شباط 2004، أن «لا شيء في هذا العقد سيختبر هدفنا ونسيجنا كأمة، وقدرتنا على تغيير العالم نحو الأفضل، بقدر ما سيفعل استعدادنا للوقوف بجانب شعب العراق في المدى الطويل بينما يبني بلداً حراً».

على النقيض من ذلك، ديفيد ل. فيليبس متحرر من كل هذه التناقضات الذاتية. فقد كتب «إذا كانت الفكرة بناء ديموقراطية نموذجية في العالم العربي، فقد أخطأوا بالانطلاق من العراق». وأضاف: «يفتقر العراقيون إلى حس الهوية الوطنية... ليس لديهم تقليد من المشاركة في السياسة. لطالما كانت القيادة قائمة على النفوذ والقوة».

يسعى كتاب “خسارة العراق” إلى تصويب الأمور من خلال الإشارة إلى أن فشل إدارة بوش في تقدير أهمية “مشروع مستقبل العراق” الذي أطلقته وزارة الخارجية الأميركية والذي عمل فيه حوالى 250 عراقياً، أضعف إلى حد كبير الوجود الأميركي في العراق. لا يقول فيليبس إن المشروع كان لينقذنا لكن عمله في وزارة الخارجية كان مراقبة المنفيين العراقيين في مجموعة العمل التابعة للمشروع والمعنية بالمبادئ الديموقراطية. وهو غاضب لأنه تم تجاهل إنجازاته. يخبرنا في الكتاب أنه استقال من عمله في “فوغي بوتوم” في أيلول 2003 عندما أدرك أن الإدارة الأميركية تتجاهل الثلاثة عشر مجلداً «أكثر من ألفَي صفحة» حول المداولات العراقية التي انطلقت برعاية المشروع.

أشار عدد كبير من منتقدي طريقة تعاطي إدارة بوش مع المسألة العراقية «بمن فيهم دياموند» إلى هذا المشروع بصفته فرصة كبيرة تم تبديدها بسبب المعارك على مجالات النفوذ بين وزارة الخارجية والبنتاغون. بحسب هذه الرواية، كانت وزارة الخارجية قد خططت لعراق ما بعد صدام مستبقةً عدداً كبيراً من الأشياء المروعة التي يمكن أن تحصل.

ثمة مشكلة وحيدة في هذه النسخة من الأحداث: في الجزء الأكبر منها، ليست صحيحة. لم يكن “مشروع مستقبل العراق” تخطيطاً جدياً لمرحلة ما بعد صدام في وزارة تجهز نفسها للحرب. بحسب الكاتب العراقي، كنعان مكية، الذي كان على الأرجح الصوت الأكثر تأثيراً في مجموعة العمل المعنية بالمبادئ الديموقراطية، كان هدف المشروع في شكل أساسي منح المنفيين العراقيين ما يشغلون به وقتهم انطلاقاً من رغبة وزارة الخارجية في توجيههم والسيطرة عليهم. بالنسبة إلى منفيين على غرار مكية – وبعض المحافظين الجدد في واشنطن، وأنا منهم، الذين كانوا سيرحبون بالتخطيط الجدي لمرحلة ما بعد الحرب أياً كان مصدره – كان واضحاً أن مكتب الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الذي أشرف على المشروع، لم يكن يريد الشروع بأي تخطيط يجعل الطريق إلى الحرب أكثر سهولة.

في الواقع، أخبرني مكية «الذي كانت علاقته بفيليبس متوترة» أن وزارة الخارجية رفضت بشدة في البداية تضمين المشروع أي عنصر يتعلق بالتخطيط للديموقراطية لأن من شأنه أن يتحول قاعدة تنطلق منها مجموعة عالية الصوت من العراقيين ذوي الأفكار التي من شأنها أن تتصدى لمخططات وزارة الخارجية. ويقول مكية إن الضغوط التي مارسها الكونغرس ورسائل الاحتجاج التي وجهها عراقيون يعملون في المشروع بواسطة البريد الإلكتروني إلى مسؤولين رفيعي المستوى في الإدارة الأميركية، أقنعت أخيراً المسؤولين في وزارة الخارجية بالسماح بالمزيد من النقاش الحر حول مستقبل العراق السياسي. وما اعتبره معظم العراقيين المعنيين بالمشروع المبدأ الأول لسياسة ما بعد صدام – إنشاء حكومة موقتة قبل الاجتياح الأميركي – جوبه بالرفض من وزارة الخارجية وكل الباقين تقريباً في واشنطن. بحسب التقرير النهائي، ارتكزت كل الأفكار السياسية الأخرى والتخطيط اللاحق على الإرساء المبكر للسيادة العراقية. لكن فيليبس لا يصف بدقة كيفية ولادة مجموعة العمل المعنية بالمبادئ الديموقراطية.

أبعد من ذلك، ينبري الجزء الأكبر من كتاب “خسارة العراق” إلى إطلاق تأكيدات جيوإستراتيجية نظرية «كسبت إدارة بوش عداء رجال الدين الحاكمين في طهران والقامعين للديموقراطية والذين كان من شأنهم أن يساعدوا أميركا في العراق»، وإلى توجيه انتقادات حادة إلى الجلبي، ومقارنة خطاب الرئيس بوش بخطاب أسامة بن لادن، وإلى التحدث بالتفصيل عن كل الأمور المأسوية التي حصلت في عراق ما بعد صدام. ويرتكز فيليبس في روايته لهذه الأحداث على مصادر أخرى إذ يبدو أنه لم يزر العراق بعد الحرب، ما يدفعنا إلى طرح السؤال الآتي: لماذا تقرأ كتاب فيليبس بينما يمكنك أن تقرأ لصحافيين وعراقيين يملكون صفحات خاصة على الإنترنت وقد عاينوا بأنفسهم المآسي والانتصارات؟

عن "نيويورك تايمز"

مصادر
النهار (لبنان)

[1] Squandered Victory: The American Occupation and the Bungled Effort to Bring Democracy to Iraq