المطلعون على الموقف السوري عن قرب ينقلون أن “شعوراً بالمرارة” يخيم على كبار المسؤولين في دمشق نتيجة الحملة السياسية التي تصاعدت ضد سورية والتي “لم تراع اللياقات السياسية في التعاطي بين الدول”، وهي تحمل سورية على اجراء قراءة تفصيلية وتقييم لعلاقتها مع لبنان في وقت يبدي المسؤولون فيها استعدادهم لتنفيذ كل ما يطلبه السياسيون في لبنان ولو بلغ حد الغاء الاتفاقات الموقعة أو حتى قطع العلاقات.

هذا التدهور في الموقف السوري يعكس وجود “توتر صامت” للعلاقات بين البلدين ترى سورية أن تصحيحه اليوم يتطلب موقفاً لبنانياً واضحاً من العلاقة معها يتضمنه البيان الوزاري مسبوقاً بتشكيل حكومة غير تصادمية معها،علماً أن دمشق تعتبر أن الساحة اللبنانية قد تكون منطلقاً لعمليات ارهابية تستهدف العمق السوري خصوصاً وأن وزير الداخلية اللبناني قال بنفسه أن الأجهزة الأمنية اللبنانية تعاني نقصاً في العديد والعدة وهي لذلك تأخذ في الاعتبار أن «الساحة اللبنانية باتت ساحة مفتوحة لجميع أنواع المخابرات الخارجية لا سيما الاسرائيلية والأميركية الى الفرنسية وغيرها».

يضيف المطلعون «أن هنالك أزمة ثقة بدأت تنمو لدى الجانب السوري ورأياً عاماً سورياً بدأ يشكل منحى ضاغطاً على الحكومة لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً مما يجري على الساحة اللبنانية».

وفي هذا المجال يقول هؤلاء أنه «خلال فترة الوجود السوري في لبنان كانت ثمة أحداث عديدة تنتقد بعض الأمور والتصرفات ولربما كانت أوساط الرأي العام السوري تتفهم هذه المواقف وتتعاطف معها ولكن بعد خروج سورية من لبنان تصاعدت الحملة السياسية وأخذت وتيرة عالية جداً ولم تراع أيا من المحرمات أو اللياقات السياسية في التعاطي بين الدول، هذا بالاضافة الى الاساءات الكثيرة التي تعرض لها السوريون العاديون في لبنان من قبل بعض الفئات والعناصر، وهذا المناخ التصعيدي وهذه الأجواء أدت الى احساس كل سوري ان كرامته تهان يومياً من قبل اللبنانيين وبالتالي أصبح في وضع لا يرتاح فيه للتعامل مع لبنان ما أدى الى خلق حالة من القطيعة الشعبية العفوية تمثلت بعدم قدوم السوريين الى لبنان ولو للسياحة».

ويضيف المصدر المطلع على الأوضاع في سورية: «جاءت الأوضاع الأمنية التي تشهدها الساحة اللبنانية وحالة الفراغ الأمني التي يعترف بها المسؤولون في لبنان ثم اكتشاف محاولات تهريب أسلحة ومتفجرات الى سورية بالتزامن مع سلسلة أحداث أمنية في سورية ما خلق مخاوف من أن تكون الساحة اللبنانية منطلقاً لعمليات ارهابية تستهدف المدن السورية وهذا ما عبر عنه بالتدابير القاسية التي اتخذت على المعابر الحدودية مع لبنان". وتقول الأوساط الآنفة الذكر ان "سورية بدأت تشعر بأن ثمة ضغوطات أميركية كبيرة بهدف فصل لبنان عن سورية سياسياً وأمنياً واجتماعياً وبالتالي اعادة لبنان الى الدوران في المحور الغربي بعيداً عن محوره الطبيعي وهويته العربية، ومثل هذا المنحى قد يؤدي الى فصل وحدة المسارين التفاوضيين كما يؤدي أيضاً الى فصل العلاقات الأمنية المنصوص عليها في الاتفاقات بين سورية ولبنان". وينقل المصدر عينه "أن هذه المخاوف حقيقية وتستند الى وقائع وهناك تخوف حقيقي من 17 أيار جديد بعد أن ينجح المخطط الأميركي بجعل لبنان ينفرد في مفاوضاته مع اسرائيل، وهذا هو محور الصراع الحقيقي، والخوف حقيقي من أن الهدف هو فصل الأمن في البلدين والعمل وفقاً للدعوات الأميركية باعادة بناء الجيش وتركيبته على أسس جديدة غير التي بني عليها بموجب اتفاق الطائف».

وهذا المنحى، يضيف المطلعون على الموقف السوري، «لا يشكل فقط انقلاباً على العلاقات اللبنانية السورية بحسب المصدر بل انقلاباً على اتفاق الطائف بعمقه لأنه نص على هوية لبنان العربية التي تتكرس بعلاقات مميزة مع سورية وتنظمها الاتفاقات الموقعة بين البلدين».

ويبدي المصدر اعتقاده «أن لا مخرج للوضع القلق والمتوتر بصمت في العلاقات السورية اللبنانية الا عبر مجموعة خطوات تبدأ بمجيء حكومة غير معادية لسورية وأن يصار في اطار البيان الوزاري للحكومة الجديدة الى التأكيد على ثوابت العلاقة اللبنانية ـــ السورية والتمسك بها بكل ما نجم عنها من اتفاقيات وبالمعاهدة وبما أنشأته المؤسسات المشتركة بالاضافة الى نوع من رد الاعتبار لسورية التي تعرضت بعد تركها للبنان لشتى أنواع الاتهامات». ويضيف أن «هذا هو المفتاح الأساسي للمباشرة بحل هذه الأزمة الصامتة تصاحبه ترجمة واقعية على الأرض تتجلى باعادة تفعيل أطر التنسيق السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الأمني»، ويشير المصدر الى «النصائح الأميركية بمعالجة الموضوع الاقتصادي المشترك" ويقول "لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة واذا لم تحصل خطوات تطمينية تجاه سورية من قبل القوى التي شنت حملات ضارية وغير مسبوقة ضدها وما لم تحصل تطمينات من قبل الحكومة الجديدة فان الأمور قد تشهد المزيد من التأزم ومن يقرأ خطاب وليد المعلم يفهم بين سطور أقواله هذه الرسالة». ويضيف المصدر المطلع على الشأن السوري انه «اذا كان لبنان ملتزماً بخطه التنسيقي والتعاون مع دمشق فكل الأبواب مفتوحة أمامه واذا كان سيسير باتجاه آخر والخروج من المحور الممانع للاملاءات التي تفرض عليه فالعلاقات ستشهد مزيداً من التوتر والتدهور وعلى الشعب اللبناني وعلى الهيئات الاقتصادية أن يعوا مخاطر ما يحاك ويدركوا أن العلاقات مع سورية أمر حيوي واستراتيجي». ويختم معتبراً «ان المبادرة مطلوبة من لبنان حكومة وهيئات كي تعيد نوعاً من الاعتبار لسورية بعد الذي حصل، والا سنكون أمام مزيد من تدهور العلاقات بين البلدين».

مصادر
صدى البلد (لبنان)