قرأت قبل قليل عن مقاطعة بعض شركات الإنتاج السورية مهرجان القاهرة بسبب تحيز اللجنة المنظمة وإصرارها على تخصيص عديد من الجوائز الأولى للمسلسلات المصرية.

لايهم التحدث هنا عن الأمكانيات الإبداعية الهائلة للسوريين في كل ماهو فني، سينمائي أو تلفزيوني أو غيره، حيث اصبحت المسلسلات السورية جزءاً من المشاهد العامة لمحطات التلفاز العربية في شمال وجنوبأميركا. بل ماهو مهم، هو عدم قدرة هؤلاء المبدعين ومن ورائهم إلى القيام بمؤسسة سورية خاصة بهم، لتقييم أعمالهم سنوياً، كما يحدث في هوليود، وعديد من دول العالم.

ولايهم هنا أبداً أن تكون المؤسسة عربية، بل لماذا لا تكون سورية خاصة، ليس لإصدار الجوائز، والتكريم، والتقدير فقط، بل للقيام سنوياً بتقييم الأداء من خلال مجموعة الإنتاج الصادر كل سنة، ومحاولة تطويره عاماً بعد عام.

ولكي لايكون اي مهرجان قادم، سورياً قحاً، يمكن للمهرجان، أن يقبل أعمال المنتجين من الدول العربية الأخرى، ويقدم جوائز لأفضل الأعمل غير السورية، لفئات الإخراج، والصور، والتمثيل، وغيره.

إن إنشاء مؤسسة مهرجات، يمكن أن تقوم بها جمعية الشركات الفنية الخاصة، بدون العودة والطلب من أية وزارة أن ترعى مثل هذه المؤسسة. إذأ ومن أجل مصلحة الإنتاج الفني السوري وتطويره، بعيداً عن العواطف، أوالربط "الغير مجدي" بمستوى الإنتاج والإبداع في الدول العربية الأخرى، لماذا لا تقوم مجموعة من الشركات الخاصة بإنشاء جمعية، أو تجمع، أو مؤسسة خاصة لإقامة مثل هذا المهرجان، يشتركون به جميعاً، قطاع خاص وعام ومشترك. ويسمح بعد تحديد معايير "النوعية" بتقييم معظم الإنتاج السنوي للسنة الماضية. بدون التشرد وتبويس اللحى للحصول على جوائز من مصر وغيرها.

هذا النوع من العمل، هدفه محدد بشكل إستراتيجي، وهو تطوير الإنتاج الفني السوري، لا ليتجاوز الإنتاج الفني المصري أو غيره، بل ليتطور إلى مستوى أعلى ما أمكن، عبر مراجعة سنوية في مهرجان تقوم به مؤسسات صناعة الفن السوري بذاتها.

ولن أنسى يوماً ماقاله أحد مقدمي البرامج التلفزيونية في دولة الكويت، بعد إنتهاء دورة رمضان، واعجابه بمسلل سوري لا أذكر اسمه اليوم. قال يومها «أين الأبداع السوري في التجارة والرياضة والإعلام».

من المفرح والمحزن ان لدى السوريين إمكانات هائلة لو وظفت بشكل حضاري وجيد، لكن مشكلة السوريين أنهم فرديين، غير قادرين على تجاوز الأنا، وفرض معايير للأداء والعمل في أية مؤسسة جماعية تعمل بمعايير، لذلك، فإننا مفلسون رياضياً، وقد نفلس فنياً إذا ساءت الأمور.

هل يصعب على المؤسسات الفنية السورية بعد مشوارها الطويل من إنشاء شركة خاصة أسمها “مهرجان سورية للإنتاج الفني”، يقوم عليها غالبية المؤسسات العاملة، هل ينقص المال، أو الكفاءة، أو هل تمنع القوانين السورية “البالية أصلاً” من إنشاء شركة مثل هذا النوع. إذا وجدت صعوبة في ذلك، فإنني مستعد شخصياً، لتقديم، شركة يمكن تأسيسها بكندا، وإنشاء فرع لها بنفس الإسم في دمشق، ولتعمل شركات الإنتاج الفينة السورية من خلال إسمها وتقوم بمهرجان لحل مسائل تقدير الأعمال السورية وتقييمها بهدف تطويرها سنوياً لمستويات أرقى.

في كندا، يمكن وبيوم واحد إنشاء شركة غير مساهمة، بتكلفة، 300 دولار كندي، كما يمكن وبرسالة من اصحابها تأسيس فروع لها في أي بلد في العالم. نحن نعلم أن فرع أي شركة يتطلب تجاوز بيروقراطيات البلد الذي سيعمل به.

هذه الشركة الخاصة، أوإنشاء شركة لا تهدف إلى الربح الخاص، يمكن أن تكون أساساً لأي مهرجان إذا أراد صاحبها أن يقوم به.

بالطبع، نحن نعلم أن كبرياء المؤسسات السوري وفنانيا، قد لاتقبل أن تكون فرعاً لشركة كندية لمالك سوري، لاعلاقة له بالعمل الفني. لكن الحقيقة، تدعو إلى حالة من النرفزة والإستفزار، عن التساؤل عن قدرات مستوى الأنتاج والإبداع السوري المميز، وعدم استطاعته التفكير بحلول جدية سورية، لتطوير أعماله بشكل منهجي، عبر أقامة مثل هذا المهرجان في سورية كما ذكرنا.

حزين أن يستدرج السوريون إلى القاهرة، لإستجداء ماهو أكثر من حق لهم، وحزين جداً التكاليف المدفوعة، أو الوقت الضائع، الذي يصرفه فنانينا في مصر، حيث مازالت المسلسلات السورية ممنوعة من العرض هناك. نحن لا ندعو هنا إلى شوفينية سورية، بل ما نرغب بقوله هنا، أن الإنتاج الفني السوري قد أصبح صناعة سورية مميزة، بسبب الأمكانات الإبداعية للكتاب والمنتجين والمخرجين والممثلين السوريين، ولماذا لايكون هذا القطاع أحد الروافد الإقتصادية لسورية المستقبل، كالسياحة والصناعة والزراعة. ومن أجل أن يكون الإنتاج الفني بهذا المستوى، واجب عليه أن يطور ذاته، لاعن طريق التساؤلات الفردية، أو عبر ردود الأفعال حول الأعمال فقط، بل عبر مؤسسة خاصة به، يقوم بها مجموع الفاعلين من أجل تطوير الصناعة.

وماهو حاصل في مجال الفن، يمكن أيضاً أن يحصل في أي مجال صناعي أو زراعي آخر. إذ يتوجب لكل قطاع أن يكون له مهرجانه السنوي أو الفصلي، لكي يكرم المنتجين والمبدعين في المجال ذاته.

ولا يمنع أيضاً من قيام أكثر من مؤسسة لرعاية قطاع فني أو غيره، فالتعدد، مساحة أكبر للدفع بعجلة التقدم في أية قطاع.

لذا ماهو مطلوب عملياً، من جماعة القطاع الخاص، أن تباشر فوراً، حتى لو فازت بكافة جوائز مهرجان القاهرة، إلى انشاء مؤسسة سورية لتقييم وتقدير الأعمال الفنية سنوياً.

وقد لا يحتاج مسلسل التغريبة الفلسطينية إلى أي تقدير من جهة عربية أو غيرها، حيث يبقى المسلسل بكل مافيه، إبداعاً كاملاً لا يقل مستوى عن أي مسلسل أوروبي أو حتى بعض المسلسلات الأمريكية.

والمعذرة أخيراً من فنانينا ومبدعينا السوريين، الذين شرفوا اسم وطنهم في كل مكان شوهدت به منتجاتهم، وسؤال أخير لهم، وهل يحتاجون هؤلاء الأوائل إلى نصحية من مشاهد متزوق للإبداع بكل ماتعنيه الكلمة.

لقد مضى على تجربة الإنتاج الفني السوري، من سينما ومسلسلات وغيرها، عدة عقود، وهو الإنتاج الأول الذي يمكن أن يفخر به أي سوري داخل أو خارج وطنه. لذا وكتحصيل حاصل، ماعلى أفراد هذا التجمع من كافة الإختصاصات، إلا المبادرة والبدء بقيام مؤسسة مهرجان سوريا الفني، مع الإصرار على تعريف المعايير الجدية والعلمية للتقييم، لا الوساطات والشللية ومصالح الشركات الأقوى. لكي يتطور الإنتاج السوري، دائماً وأبداً.

وتحية إلى كل مبدع، ضحى ومازال "برواتب" لامعنى لها مقارنة مع كافة الدخول الخيالية التي يقبضها فنانو العالم في أي مكان.

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)