مضى أكثر من شهر على نهاية المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث في سورية وإلى اليوم لم يلمس السوريون أي نتائج تذكر، بل لم تخرج جهة حزبية أو رسمية لتخبرهم شيئا عما يجري، وهل هناك لجان وفرق عمل معينة تعمل على تنفيذ التوصيات والنتائج؟ كل ما حصل أن المؤتمر الذي كتب عنه الكثير وعلق بعضهم آمالاً كبيرة عليه قد انتهى, ويبدو، نظراً لحالة الصمت الرسمي ازاء التوصيات وما حل بها، أن المؤتمر صار جزءا من الماضي مثله مثل الكثير من المؤتمرات والندوات التي انعقدت وستنعقد.

لقد اقر المؤتمر الذي انعقد في أجواء من الاهتمام الداخلي والخارجي، الكثير من التوصيات التي كان من المفترض أن تحدث نقلة إلى الأمام في الحياة السورية، رغم كل الآراء المتشائمة والمشككة بقدرة البعث على تحقيق خطوة إلى الأمام، فالتوصيات وإن بدت صغيرة وعادية بالنسبة لهؤلاء، لابد من الاعتراف أنها ضرورية للسوريين وأهميتها تكمن في أنها قد تفتح الباب أمام خطوات أخرى لاحقة وإن بالتدريج.

لقد اوصى المؤتمر بقانون جديد للاحزاب، وهذا بحد ذاته وفيما لو تم العمل به، يعتبر قفزة في الحياة الحزبية السورية الراهنة التي تعاني من أمراض كثيرة بسبب غياب قانون عصري للاحزاب، لعل في مقدمها ابتعاد السوريين عنها وخوفهم من المشاركة بسبب احتكار البعث للعمل السياسي أكثر من أربعين عاما مضت ومنعه بقية القوى من النشاط وتضييقه عليها وسجنه للكثير من الناشطين, لذلك فإن قانونا جديدا للأحزاب سيجعل الباب مفتوحا أمام الكثير من القوى لتعبر عن نفسها وتطرح برامجها وتلتقي مع جمهورها وتنافس بعضها، وهذا بحد ذاته بات مطلوبا للحياة السياسية الداخلية حتى تواكب ما يجري في بقية دول العالم, صحيح أن شروطا ستوضع على الأحزاب الجديدة لكن مهما يكن فإن القانون بحد ذاته الذي سيشرعن وجود الكثير من القوى الاجتماعية والسياسية السورية يعتبر خطوة مهمة وضرورية في البداية.

لكن قبل ذلك يجب الاعتراف أن الحديث عن قانون جديد للاحزاب في سورية صار عمره أكثر من أربع سنوات، وإلى اليوم لم يظهر هذا القانون العتيد للنور, واذكر اني التقيت منذ سنوات مع أكثر من مسؤول سوري وكلهم تحدثوا عن هذا القانون والشروط والضوابط التي يجب توافرها فيه حتى يرى النور، لكن السنين مرت وجاء المؤتمر القطري وأوصى بقانون جديد، لكن إلى اليوم بقينا من دون قانون، ويبدو اننا سننتظر سنوات جديدة فيما لو بقي الايقاع الذي نمشي عليه هو ذاته.

كذلك أوصى المؤتمر القطري للبعث بإعادة النظر في بعض بنود قانون الطوارئ والأحكام العرفية المعمول به منذ نحو 42 عاما، وهذا القانون يعتبر بحق من أشد القوانين إعاقة لتطور الحياة السياسية السورية، فمواده وبنوده ما زالت سيفا مسلطا على رقاب الكثير من السوريين ونشاطاتهم، كما انه يرخي بظلاله المقيتة على قضية الحريات وفي مقدمها حرية التعبير والرأي، صحيح أن بعض مواده تتعلق بالأمن القومي وموضوع الصراع مع اسرائيل، إلا أن السوريين لا يطلبون أكثر من الغاء المواد التي تخص حياتهم الداخلية وتؤثر على حريتهم في النشاط السياسي وحريات التعبير وإبداء الرأي, وأيضا وفيما لو تم الغاء جملة من هذه البنود والقوانين، فستشكل هذه الخطوة نقلة أخرى تحتاجها الحياة السورية على طريق التغيير والتجدد ومواكبة ما يجري حولنا, لكن أيضا وإلى اليوم لم يظهر ما يشي بأن شيئا قد تحلحل على هذا الصعيد، ويبدو أن القوى الممسكة بزمام الأمور والمتحكمة بالرقاب ومصائر العباد والمتوجسة خوفا على مصالحها بفعل استمرار مثل هذا القانون، تعمل على تأخير العمل بإعادة النظر ببعض بنود هذا القانون كما أوصى حزب البعث في مؤتمره.

وهذا ينطبق على التوصيات المتعلقة باجراء تعديل على قانون المطبوعات السيئ الصيت، فرغم أن تعديل مثل هذا القانون لا يحتاج الى كل هذا الوقت، خصوصاً وأن هناك اعترافا رسميا من قبل مسؤولين إعلاميين بتخلف مثل هذا القانون ومنذ وقت طويل، نقول رغم ذلك يبدو أن هذا القانون سيستمر تاركا ظلاله الثقيلة على الصحافيين السوريين، ويبدو أن الماكينة البيروقراطية التي تحكم المؤسسات السورية الرسمية أضخم وأكبر وأكثر نفوذا من كل الدعوات للاصلاح ومن كل الاصلاحيين وأكبر من كل التوصيات والنتائج التي خرج بها المؤتمر.

نقول هذا لأن لنا تجربة كبيرة في سورية مع التوصيات والمراسيم والتشريعات التي اتخذت وأعلن عنها خلال السنوات الخمس المنصرمة، ولعل في مقدمها المرسوم 408 لعام 2003 الذي نص على فصل البعث عن السلطة التنفيذية وعدم تدخل البعثيين في الشؤون والتفاصيل اليومية التي تخص العمل في المؤسسات والوزارات السورية، فهذا المرسوم مع كل أسف طوته الأدراج ورفع الى الرفوف, ولم تقم جهة رسمية أو مسؤول أو إصلاحي بالسؤال عن مصيره,,, لكن لماذا؟ إن الاجابة عن هذا السؤال من شأنها أن تجيبنا عن كل الاسئلة، فالمسألة بكل بساطة تتعلق بالجهة أو القوى أو الأفراد الذين لهم مصلحة حقيقية في تطبيق القرارات والتوصيات الجديدة، وطالما كان المكلفون بالتطبيق هم أنفسهم الخاسرون من التطبيق، فإن البداهة تقول أن شيئا لن يطبق, وهذه هي الحلقة المفقودة في برنامج الاصلاح في سورية، غياب الاصلاحيين وكثرة المستفيدين من الأوضاع القائمة وتغلغلهم في كل مفاصل الدولة السورية.

مصادر
الرأي العام (الكويت)