المشمش السوري! أريد أن أسلّي فكرتي. قال: ثمة كلمات يجب استخدامها في الضوء الساطع: «التحالف» «التخالف» «التجالف». وهي كلمات متداولة في سياقات مختلفة في الحقل السياسي. «التحالف» موجود في أمكنة الانتخابات كلبنان. وهو ما يعني المشاركة في القوائم الانتخابية. التكتيك على بث خصوم. الاتفاق على برامج.

و«التحالف» مشروع في سياسة المراحل. وكل سياسات العرب مرحلية ومستعارة من فن ليس لهم فيه حصة: «ليس هناك صداقة دائمة, عداوة دائمة... هناك مصالح دائمة» وأعداء الأمس أصدقاء اليوم.. إلى آخره. وتؤدي «التحالفات» عموماً الى سلطة هنا واقتصاد هناك. أما «التخالف» فمفردة لم نتعوّد عليها. رغم انها في الواقع الملموس هي الصورة الأبرز. فثمة خلافات معترف بها في أشياء كثيرة, وفي أساس وبنية الجماعات المشتركة. ولكن ما ينقصنا هو كيفية قيادة «التخالف» في شكل من الحوار السلمي, والصراع تحت رايات الفكرة الأفضل والمشروع الأمثل... فالخلاف هو­ وحده في بيئة العرب­ من يفسد الودَّ كلَّه والقضيّة كلَّها. فلا يوجد حزب لا يقول أن برنامجه أفضل, وأمينه العام أعرق, وسلوك اعضائه ملائكة. كما لا يوجد مفكر أو مثقف إلا وينقصه تواضع الاجتهاد, وَرَعُ النزاهة, وفضيلةُ الاستقلال.

ثم تؤدي التخالفات الى عداوة هنا واستبداد هناك. فالتجالف لغة القوة الغاشمة الباطشة حين يشعر المستبد بأي تهديد لسلطته ونفوذه. وأداتها عند العرب ليس الشرطة بل البوليس السري, أو المخابرات, ذلك لأن الشرطة جهاز علني مسؤول أمام القانون في محكمة, في رواق قضائي... اما تلك الاجهزة فهي لمنع حدوث الشيء, فإن لم تستطع فلقمعه عند حدوثه, واذا لم تستطع فللاجهاز على حاضنة حدوثه... وهنا تصل الفكرة الأمنية الى ذروتها. فتصبح القوة الباطشة الغاشمة «جهاز تجالف» اجتماعي نفسي, يشيع القسوة والفظاظة وقلة الذوق, بين الناس عموماً, وفي عقدة مصالحهم واحتكاكهم بالدولة خصوصا. فنرى شخصا محترما اذا تعرض لأذى صغير يتنمر ويقول «اعرف مين أنا ولاه... أنا أمن».

السوريون لطفاء عموماً, في بيئة التجارة والفلاحة وجمال المكان... ولكنهم اصبحوا الآن متوترين... وفيهم الكثير من طبيعة ثانية اسمها «التجالف» في حوار الطرشان والسميعة على حدّ سواء, وفي حياة الصمت والكبت والخوف ايضاً.

قال صاحبي الذي سلّى فكرته قليلا بهذه الحذلقة: لقد راودني احساس بالانقباض وانا ارى رياض الترك €امين عام سابق للحزب الشيوعي سابقا. الشعب الديمقراطي لاحقاً€ وصدر الدين البيانوني €مرشد الاخوان المسلمين في سوريا€. الانقباض الناتج من شروع الطرفين بعقد تحالف للمعارضة من اجل اقامة نظام سياسي ديمقراطي في سوريا. ففي الحوار كان ثمة غش في الجانب المسكوت عنه. كمفهوم الأقلية والاغلبية مثلا. فاذا كان رياض الترك يملك تنظيما من الف عضو وانصارا من خمسة آلاف. فالبيانوني, بمجرد السماح له بتنظيم, سيملك مئة الف. وانصارا بمئات الألوف. وتكون الاغلبية مرجعا لا رجعة عنه.

هل فكّر الاثنان, بدلا من «اقامة» هذه الديمقراطية باعطاء نفسيهما واعطائنا فسحة, قبل التحالف, من أجل «ابداع» ثقافة الديمقراطية؟ هل يريدان اقناعنا, بديلاً لاستبداد الحزب الواحد, باستبداد الحزب الأوحد؟ هل يمكن تلخيص العملية الديمقراطية بمباراة صناديق اقتراع؟ هل يريد البيانوني اقناعنا بحزب مدني مرجعيته دينية بأنه بريء من اثر النص المقدس €الدين€ في مجادلة النصّ المدنّس “الماركسية”؟ دعوا, ايها السادة, لفكرة «التخالف» ان تنضج, قبل ان تكتوي, مرة اخرى, بواقع «التجالف». والسوريون يعرفون تلك النار جيداً. ولا اعتقد انهم يريدونها مرة اخرى.

ثمة وقت للمشمش السوري, لا تنضجه حرارة محركات الدبابات الأميركية... وحدها!!!

مصادر
الكفاح العربي(لبنان)