سربينيتسا والعار الذي لا يمحى

غطت مقالات الصحف الفرنسية للأسبوع الماضي قضايا تراوحت بين اجتماع قمة دول الثماني الكبرى في اسكتلندا وما زامنها من تفجيرات لندن التي عكرت الجو على بلير وزرعت الرعب في نفوس البريطانيين إلى الاحتفال الذي أقيم في البوسنة لإحياء الذكرى العاشرة على مرور مذبحة سربينيتسا.

اتحاد مجموعة الثماني

هكذا عنونت صحيفة "لوموند" افتتاحيتها السبت الماضي حيث أشارت إلى بعض الإنجازات التي حققها قادة الدول الغنية بإقدامهم على اتخاذ خطوات ملموسة في اتجاه التخفيف من وهدة الفقر والمرض اللذين يفتكان بالقارة الإفريقية منذ أمد بعيد. ولعل من أبرز تلك الخطوات التي ألقت الافتتاحية عليها الضوء شطب مبلغ 50 مليار دولار من ديون الدول الأكثر فقرا والتعهد بالزيادة في حجم الإعانات المالية المخصصة لأهداف التنمية لتصل إلى 50 مليار دولار بحلول 2010. وتشير الافتتاحية في معرض حديثها عن قمة الثماني الكبرى إلى قضية البيئة التي نوقشت في الاجتماع حيث اعترف بوش لأول مرة بخطر الاحتباس الحراري على البيئة ومستقبل الأرض وتخلى عن تعنته السابق وتشكيكه في مدى صحة وعلمية ما يروج حول الموضوع، وإن كان مازال متشبثا برفضه المصادقة على اتفاق كيوتو للحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

كلنا وراء بلير

افتتاحية “لوفيغارو” لنفس اليوم فضلت التطرق إلى التفجيرات التي هزت وسط لندن في 7 يوليو حيث عبرت عن تعاطف الشعب الفرنسي ووقوفه إلى جانب بلير والبريطانيين في مصابهم الجلل. وهم إذ يدينون بشدة كافة أنواع العنف التي سبق وأن اكتوت بنارها فرنسا نفسها، فإنهم لا يترددون في الإعراب عن استعدادهم للتعاون الأمني للوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة. غير أنه وبعيدا عن نبرة المواساة التي تطغى على مثل هذه المناسبات حاولت الافتتاحية ترشيد خطابها والاحتكام إلى التحليل العقلاني في محاولة لاستجلاء الموقف وتقديم تفسير لما حدث. وفي هذا المعنى ترى لوفيغارو بأن مشاركة بريطانيا في الحرب على العراق بجانب أميركا كان حاضرا بقوة في تلك التفجيرات حيث لا يمكن الحديث عنها دون ربطها بما يجري في الشرق الأوسط. ولم يغب عن بال كاتب الافتتاحية أن يشدد على دور الصراع في فلسطين والظلال الثقيلة التي مازال يلقي بها على مجمل السياسة الدولية. وتشيد الافتتاحية بقوة الشعب البريطاني وقدرته التاريخية على تحمل اللحظات العصيبة واجتيازها دون مشاكل ملمحا إلى ما أبدته بريطانيا من جلد إبان الحرب العالمية الثانية عندما كانت القوات النازية تمطر لندن بالقنابل والدمار. وإذا كان منفذو تلك الاعتداءات يرمون إلى تغيير موقف بريطانيا من الحرب ودفعهم إلى سحب قواتهم كما حصل مع إسبانيا عقب تفجيرات مدريد، فإنهم بالتأكيد لا يعرفون الشخصية البريطانية التي تميل أكثر إلى الالتفاف حول قائدها والثبات على مواقفها.

حبيبتي سربينيتسا

هذا هو العنوان الذي تصدر مقالة الكاتب جاك جويارد في مجلة “لونوفيل أوبزيرفاتور”، وهي مقالة مفعمة بالحزن والمرارة على تلك المجزرة التي هزت أوروبا والعالم وراح ضحيتها أكثر من 8 آلاف شخص لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا مسلمين. إنه خطاب يوجهه الكاتب إلى كل الذين يعتقدون أن التفجيرات الأخيرة في لندن هي حرب يشنها الإسلام ضد الغرب. إنها دعوة للتأمل وطرح التساؤل: هل كانت مجزرة سربينيتسا التي اقترفها بدم بارد جنود الجنرال راتكو ملاديتش الأورثذوكس حربا مسيحية ضد الإسلام؟ ففي تلك الأيام الرهيبة بين 11 و13 يوليو 1995 قامت القوات الصربية بالدخول إلى سربينيتسا بعدما فرضت عليها حصارا دام ثلاث سنوات، ولم يشفع للمسلمين أن مدينتهم كانت تحت الحماية الأممية. وعندما بدأت بعزل الرجال عن النساء والأطفال لم يخطر ببالهم قط أنهم سيقادون إلى الغابات المجاورة وسيذبحون كما تذبح الشاة. لقد شكلت تلك المجزرة وصمة عار حقيقية على جبين المجتمع الدولي الذي وقف عاجزا عن حماية البوسنيين ولم يتدخل إلا بعد فوات الأوان. ويواصل كاتب المقال والحسرة تعصر قلبه وقلوبنا فضحه للضمير الأوروبي والإنساني مشيرا أنه «إذا صمتت الضحايا، فإن الحجارة ستتكلم وتبوح بالفظائع». ويحتكم الكاتب إلى لغة الأرقام فيكشف أن عدد الضحايا الذين سقطوا في سربينيتسا يفوق ضحايا نيويورك بمرتين ونصف المرة، كما يفوق بمائة مرة عدد ضحايا لندن. والمخجل حقا أن الأمم المتحدة كانت حاضرة وقتها في البوسنة من خلال القوات الهولندية غير أنهم اكتفوا بالوقوف متفرجين دون أن يحركوا ساكنا، بل أعانوا الصرب في تشكيلهم لقوائم الموت التي ضمت الأشخاص الذين سيعدمون. والأكثر خجلا من كل ذلك أنه في الوقت الذي اعترفت فيه الأمم المتحدة وهولندا بقصورهما الشنيع في أداء المهمات الموكولة إليهما، نجد أن فرنسا مازالت تكرم الجنرال جانفيي، وهو الجنرال الذي كان موجودا حينها في البوسنة لكنه رفض مرتين طلب الأمم المتحدة التدخل الجوي لتأمين الحماية للبوسنيين.

عام 2012

في افتتاحية مجلة “الإكسبرس” يحاول الكاتب أن يتنبأ بما سيكون عليه العالم بحلول 2012. فبعيدا عن المنافسة المحمومة حول الميداليات الذهبية في الألعاب الأولمبية التي ستقام في تلك السنة، سوف تطرأ تغيرات جوهرية على مجمل الأوضاع العالمية. حينها سيكون سكان فرنسا أكبر سنا مما هم عليه الآن، كما أن الدين العام سيشكل 80% من الناتج المحلي الخام وهو ما سيشكل عبئا ثقيلا على الفرنسيين الذين يتعين عليهم المساهمة أكثر للنهوض بذلك العبء. وبالعكس من ذلك سيشهد الأميركيون تزايدا ديموجرافيا وتوسعا اقتصاديا. والمشكلة الوحيدة بالنسبة لهم ستتمثل في استمرار العجز في الموازنة العامة الذي من المتوقع أن يصل إلى 800 مليار دولار. أما أفريقيا فلن يتكاثر فيها سوى عدد الفقراء الذي سيصل إلى 400 مليون شخص.

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)