بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط الماضي على أيد لا تزال لجنة التحقيق الدولية تبحث عنها لكنها قطعاً لا تضمر المحبة والاحترام للبنان السيد والحر والمستقل والآمن والمزدهر شهدت العاصمة اللبنانية، فضلاً عن مناطق عدة، تظاهرات شعبية متنوعة عن الغضب والسخط والقهر والرفض لواقع اعتبرته غالبية “الشعوب” في البلاد فاسداً أو مؤذياً ومسؤولاً عن فشل مسيرة السلم الأهلي التي راهنت عليها عام 1989. من تلك التعبيرات الاعتصام طبعاً في موقع الجريمة مع اضاءة شموع او في موقع الضريح في ساحة الشهداء التي صار اسمها بعد الاستشهاد ساحة الحرية وعن جدارة. ومنها التجمعات الشعبية احياناً بآلاف قليلة واحياناً بعشرات الآلاف. وكوّن ذلك انطباعاً عند المجتمعين العربي والدولي ان غالبية اللبنانيين حسمت ترددها وتجاوزت خوفها ونزلت الى الشارع مطالبة بالمحاسبة والمساءلة وكذلك بالتغيير الأمر الذي دفعهما الى متابعة اهتمامهما بالوضع اللبناني الذي بدأ في ايلول الماضي قبل التمديد ثلاث سنوات لرئيس الجمهورية العماد اميل لحود. وهو الاهتمام الذي تحوّل رعاية مباشرة لاحقاً او وصاية كما يسميها المعترضون عليها من لبنانيين وغير لبنانيين. وكوّن انطباعاً آخر داخل لبنان يفيد ان “شعوبه” على الاختلافات العميقة في ما بينها وبصرف النظر عن اهميتها او سطحيتها وعن مدى ارتباطها بمصلحة الوطن او بمصلحة “الشعوب” نفسها وربما بمصالح قادتها الزعماء موافقة كلها على الاحتجاج اولاً على قتل الرئيس الحريري، وثانياً على القضاء على الفساد المتنوع والمتجذر، وثالثاً على بناء الدولة القادرة والعادلة والمتوازنة، ورابعاً على استعادة استقلال الوطن وسيادته من سوريا مع الاصرار على علاقات مميزة معها ولكن بعد تصحيحها. هذان الانطباعان دفعا في حينه فريقين سياسيين لبنانيين يمثلان الغالبية الكبيرة داخل احد “الشعوب” اللبنانية للنزول الى الشارع لا انطلاقاً من رفض مطلق لكل الشعارات التي رفعتها “الشعوب” الاخرى وانما من حرص على أمرين. اولهما لفت “الشعوب” الشقيقة الى عدم تضييع البوصلة على الصعيد الاقليمي في اشارة واضحة الى ضرورة عدم انكار “فضائل” سوريا على لبنان وخصوصاً منذ عام 1989 وابرزها حماية المقاومة المعظمها شيعي. وثانيهما تحذير الجميع من عدم استغلال التطورات التي اعقبت استشهاد الحريري والاخرى التي ستتوالى “وقد توالت” لحسم صراعات داخلية على النفوذ والسيطرة او على الادوار. فكانت تظاهرة 8 آذار في ساحة رياض الصلح التي بلغ عدد المشاركين فيها مئات آلاف عدة. وتصرف “سيد” هذه التظاهرة اثناء كلمته فيها بطريقة اوحت انه يريد افهام الآخرين او الشعوب الاخرى انه وشعبه “الاشطر” في لعبة الشارع وتالياً يريد دعوتها الى الاقلاع عنها لأنها لن تكون رابحة فيها. لكن عندما حصلت تظاهرة 14 آذار في ذكرى انقضاء شهر على قتل الحريري توقف “سيد” تظاهرة 8 آذار عن التلويح بالشارع بل حتى عن الاستخفاف بقدرة الآخرين على استعماله او بجرأتهم على استعماله وكذلك عن التحدث عن تلك التظاهرة. وكانت لذلك اسباب عدة ابرزها اثنان. الأول، ضخامة التظاهرة الثانية “14 آذار” وتفوقها من حيث العدد عن التظاهرة الاولى “8 آذار” ببضع مئات من الالوف. والثاني، انضمام شبه جماعي “للشعوب” اللبنانية الاخرى “اي السنة والمسيحيون والدروز” الى التظاهرة الثانية الأمر الذي أوحى بامكان حصول اصطفاف سياسي وشعبي مثلث ضد الاصطفاف شبه الاحادي الذي شهدته ساحة رياض الصلح. وذلك أمر لا مصلحة في حصوله لأنه يضع “شعباً” في مواجهة مع ثلاثة "شعوب"، وعذراً لاستعمال هذا النوع من الوصف للشعب اللبناني، ومواجهة كهذه لا بد ان تكون مكلفة في ظل الاوضاع العربية والدولية المعروفة فضلاً عن ان نتائجها قد لا تكون مضمونة. ولا مصلحة في حصوله ايضاً لأنه يهدد بسقوط “الهيكل” اللبناني على رؤوس الجميع اي بتدميره وربما بزواله. وهذا أمر ترفضه كل “الشعوب اللبنانية” التي توصلت، وان بعد نيف و15 سنة من الحروب ونيف و15 سنة من “سلم أهلي” مشوه او ناقص هو اقرب الى الحرب الباردة منه الى السلم، الى اقتناع عملي بعد الاقتناع النظري في الطائف عام 1989 بنهائية الكيان اللبناني وبأن عيشها المشترك والمتوازن هو الضمان الفعلي لهذه النهاية لا الاشقاء ولا الاصدقاء ولا طبعاً الاعداء. طبعاً لم يدفع ذلك “سيد” تظاهرة 8 آذار وشريكه فيها “سيد” مجلس النواب الى التخلي عن مواقفهما او عن عملهما لحماية “شعبهما” من “غدرات الزمان” كما يقال. لكنهما استعاضا عن الشارع بالانتخابات النيابية التي صادف ان موعدها كان قريباً، فحولاه استفتاء على سياساتهما الداخلية والاقليمية والدولية. وكانت نتائج الاستفتاء في مصلحتهما بنسبة كبيرة جداً جداً.

لماذا هذا الكلام الآن؟

لأن هناك فريقاً سياسياً كبيراً يمثل غالبية واسعة داخل "شعب" لبناني آخر يلوح بالاعتماد على الشارع في المواجهة السياسية المباشرة التي يخوض للمرة الاولى من داخل البلاد مع معظم "الشعوب" الاخرى أو بالاحرى مع قادتها وزعمائها هو العماد ميشال عون. ونحن لن نخوض هنا في تفاصيل المواجهة ولن نأخد موقفاً ايجابياً او سلبياً من طرفها الاساسي الذي هو “الجنرال” او حتى طرفها الآخر الذي يكون تارة “تيار المستقبل” و“الشعب” الذي يمثله وتارة اخرى “شعب” 8 آذار وتارة ثالثة السلطة وراعيها الاقليمي سابقاً وتارة رابعة بعض “شعبه” المعارض له وهو موجود رغم ان نسبة تمثيله لم تعد بالوسع الذي كانت عليه قبل عودته الى البلاد، وحالياً ودائماً وليد جنبلاط و“شعبه”. علماً ان لنا مواقف منها بعضها متفهم لعدد من طروحات عون وبعضها الآخر مؤيد لعدد منها وبعضها الثالث رافض لقسم منها. لأن الهدف ليس الاصطفاف معه او ضده، بل هو لفت نظره ونظر الآخرين الى ان استعمال الشارع في لبنان في كل أمر وبعد الذي حصل في الاشهر الماضية لم يعد ممكنا ان يمر بسهولة او على الاقل قد يكون محفوفاً بالاخطار. طبعاً تحدث العماد عون ان لجوءه الى الشارع سيكون سلمياً، وان التظاهر حق تكفله الديموقراطية. وهو محق في ذلك. لكنه يعرف او عليه ان يعرف ان اللبنانيين لا يعرفون من الديموقراطية الا الاسم وانهم لا يحسنون الا استعمالها تحقيقاً لغاياتهم واهدافهم التي لم تكن، ويا للأسف، وطنية أحياناً كثيرة. وما اللجوء الى الشارع بعد التجديد لزعيم “حركة امل” نبيه بري في رئاسة مجلس النواب الا دليل ساطع على خطورة لجوء كهذا. علماً ان ذريعة هذا اللجوء، رسمياً على الأقل، كانت الابتهاج بذلك التجديد.

طبعاً نحن لا ندعو الى حظر التظاهر. ولكن ندعو الى أمرين آخرين. الأول، تحلي الزعماء الشعبيين والشعبويين بالحكمة كي لا يورطوا الشارع أو بالاحرى الشوارع بسبب او بلا سبب كلما تعرضت مصالحهم للخطر. والثاني، تمسك المعارض من المنفى على مدى 15 سنة بالمعارضة بعد عودته الى البلاد من داخل مجلس النواب وممارسته اياها بكل كبر وحكمة وصلابة بعيداً من الصفقات الخاصة والفئوية ولا سيما في ظل اعتقاد قادة عديدين “للشعوب” الاخرى وبعض من المحسوبين عليه ان الوضع الحالي في البلاد يشبه وضع استدراج عروض لاقامة تحالفات قد تمسّ العيش المشترك المتوازن والعادل. ونجاح عون في معارضة كهذه يفتح له ابواب “الشعوب” الاخرى وخصوصاً انه يعلن يومياً انه لا طائفي. ولا بد لاحقاً ان يجعل منه البديل الوحيد ربما لقيادة البلاد... فهل يفعل؟

مصادر
النهار (لبنان)