نشر الكاتب والصحافي الأستاذ نصري صايغ مقالاً له قرأناه على الشبكة العنكبوتيَّة مؤخَّرًا بعنوان: «أيها العلمانيون... هزمتكم الطائفية.» جاء فيه: «فيا أيها العلمانيون، ماذا قدمتم، غير الكلام الفضفاض. وماذا فعلتم غير شتم شعبكم، وإلحاق التخلف فيه، بسبب إصراره على انتمائه الطائفي. ماذا قدمتم لهم كنموذج. العلماني صدام حسين، حوّل العراق إلى وليمة دموية، وخلق بعد إقصائه، حالة هروب منه، ومن نظامه العلماني، إلى حظيرة العرق والطوائف. العلماني البعثي في سوريا، قدم صورة مشرقة لأساليب إقناعه العنفية. وكان تدخله في لبنان، على قياس الطوائف وليس على قياس العلمانية. الأحزاب العلمانية... أين نموذجها الاجتماعي والفكري والسياسي. أين مؤسساتها.»

لن نعلِّق على موضوع “شتم الشعب”. فهذا إن صحَّ، يتحمَّل مسؤوليَّته الشاتمون، ونحن ضدَّ الشتم والشاتمين. ندخل في صلب الموضوع إذ أنَّ مشكلتنا هي في النماذج التي قدَّمها الأستاذ صايغ. هل صحيح أنَّ حزب البعث في شقَّيه هو حزب علماني؟ أولاً، إن “دين الدولة” محدد في النموذجين الذين بناهما حزب البعث. ثانيًا إنَّ حزب البعث مختزل منذ زمن بعيد بأقلِّيَّات ضمن أقلِّيَّات حكمت العراق وتحكم الجمهوريَّة العربيَّة السوريَّة. ثالثًا، هل أنَّ ممارسات صدَّام حسين في العراق مع أطياف العراق الطائفيَّة أو العرقيَّة كانت لأنَّه علماني أم لأسباب أخرى؟ رابعًا، لا نرى علاقة بين ما سمَّاه الكاتب “أساليب البعث الإقناعيَّة العنفيَّة” والعلمانيَّة. فهذه الأساليب ليست ناجمة عن علمانيَّة البعث بل عن أسباب أخرى. خامسًا، لم يكن الطائفيِّون أقل “عنفيّة” في تعاملهم مع الطوائف الأخرى أو مع معارضي طائفيَّتهم من ضمن الطائفة الواحدة. هذا صحيح في لبنان الأمس، كما في عراق ما بعد صدّام.

النموذج الذي يشكو الأستاذ صايغ غيابه موجود في الواقع إلا إذا كان يشكو من عدم تحول العلمانيين إلى “طائفة” لها مؤسسات أسوة بالمؤسسات الطائفية. النموذج موجود في كل من حرر نفسه من ربقة الطائفية. في لبنان هناك حزبان علمانيَّان وهناك علمانيُّون كثيرون، لا ينضمُّون لأيِّ حزب. الحزبان العلمانيَّان هما الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي، ولكن علمانيَّتيهما تختلف الواحدة عن الأخرى. فالأوَّل يقول بفصل الدين عن الدولة دون أن يدعو للإلحاد، ودون أن يكون له نظريَّة في خلق الكون والإنسان، وما الوراء. إنَّه يترك لأتباعه وللمجتمع حرِّية الانتماء الديني أو اللاانتماء، وحريَّة الإيمان أو عدمه، وحريَّة التأمُّل في الكون وخلقه وخالقه. إنَّها مسألة لا يتدخَّل فيها هذا الحزب على الإطلاق. الحزب الشيوعي يقدِّم نظريَّة ماديَّة في خلق الكون، وقد هزأ في بعض مراحله بالدين، بل أنَّه حاول منع المؤسَّسات الدينيَّة في الاتَّحاد السوفياتي السابق وغيره من الدول الشيوعيَّة ولكنَّه فشل.

لا بدَّ في بلد طائفي مثل لبنان أن تحلَّ الطائفة فيه محلَّ الدولة في معظم مؤسَّساتها بما فيها العسكريَّة لتتمحور حياة المواطن في طائفته لا دولته. فهو يولد في مستشفى للطائفة، ويتعلَّم في مدرسة تابعة لها، ويتابع دراسته في جامعة أسَّستها، ويوظَّف في الدولة ممثِّلاً لها، أو في مؤسَّسة خاصَّة مرتبطة بها في معظم الأحوال. وحين يريد الترويح عن النفس يبحث عن محطَّة تلفزيون خاصَّة بها. وعند الحاجة ينضمُّ إلى “ميليشيا” تابعة لها، فيرسم صورة وليَّه أو قدِّيسه المفضل على أخمص بندقيَّته، ويستشهد في سبيلها، ويدفن في مقبرتها. أضف إلى ذلك أن لا مصلحة للدول الخارجيَّة بما فيها تلك العلمانيَّة مثل فرنسا والولايات المتَّحدة أن تقوم دولة علمانيَّة في بلد مثل لبنان. فالطائفيَّة هي منفذ هذه الدول العلمانيَّة إلى بلادنا لتحقيق مصالحها فيها. من مصلحة الشعب في لبنان أن تقوم دولة علمانيَّة على مبدأ المواطنة والمساواة في جميع الحقوق والواجبات. ولكن هل يمكن أن ننتظر من الطقم السياسي الطائفي، الذي يبحث عن دول ديمقراطية وعلمانية تدعم مشروعه الطائفي في لبنان أن يبني هكذا دولة؟ لا نعتقد. فمن الشوك لا يُجنى عنب، والطقم السياسي اللبناني ليس في وارد الانتحار.

هل كان انتصار الطائفيِّين إذًا مستبعدًا لهذا الحد الذي دفع بالأستاذ صايغ لإطلاق صرخته؟ لا نعتقد. فإذا كانت “طائفة” العلماني دولته، فإنَّ دولة الطائفي طائفته. العلماني يطمح لبناء دولة ديمقراطية لا دين لها، فالدين فيها للأفراد وليس للدولة. من الطبيعي إذًا، في بلد كلبنان، وإلى أن يتم فصل الدين عن الدولة ومنع رجال الدين من التدخُّل في شؤون السياسة والقضاء، أن تنتصر المؤسَّسات الطائفيَّة على العلمانيِّين أحزابًا وأفرادًا.

موضوعيًا، هل كان يمكن للقوى العلمانيَّة الموجودة حاليًا في لبنان منفردة أن تغيِّر هذا الواقع؟ لا نعتقد. فالطائفية شرسة وقد أغرقت البلد في أكثر من حمام دم. لن يتغيَّر هذا الوضع في لبنان إلاَّ بقيام حاكم قوي يستند إلى قوى تستطيع مواجهة جميع القوى الطائفيَّة مجتمعة فيفرض نظامًا مدنيًّا، يقوم على المواطنة وليس الطائفيَّة، أو قيام حركة شعبيَّة قويَّة عابرة للطوائف تفرض هي تغييرًا جذريًّا في النظام استنادًا إلى ميثاق شعبي، عوضًا عن ميثاق الطوائف. وقد دعا إلى مثل ذلك الأستاذ هنري حاماتي في مقال له نشرته “السفير” مؤخَّرًا، أو الاثنان معًا.

هل كان يمكن للنظام السوري إبَّان وجوده في لبنان أن يدعم القوى التغييريَّة في البلد فتحرِّره من نير الإقطاعيِّين الطائفيِّين والزمنيِّين؟ نعتقد أنَّ ذلك كان ممكنًا، وفي رأينا، أنَّها فرصة ضاعت. هل يمكن للتحرُّك الشعبي الذي انطلق في شهر آذار “مارس” الماضي، بكتلتيه الكبيرتين وجلُّهما من الشباب، أن يؤسِّس حركة شعبيَّة قويَّة عابرة للطوائف؟ لا نعتقد، ذلك أنَّ ثمَّة شروطًا أساسيَّة غير مستوفاة، أهمُّها أنَّ هاتين الكتلتين محكومتان بطائفيتيهما. فالأولى كانت من لون مذهبي واحد وإن تضمَّن قلَّة علمانيَّة، أمَّا الثانية فكانت ائتلاف طوائف يجمعه طلب خروج القوَّات السوريَّة من لبنان، وردَّ التحدي لما اعتبر عرض عضلات طائفيَّة في المظاهرة المناوئة. ائتلاف الطوائف والطائفيِّين لا يؤسِّس دولة، بل يؤسِّس لحرب أهليَّة حين لا يعود ثمَّة متَّسع للمصالح المتضاربة.

الشرط الأساسي الثاني لتحوُّل هذا الكم من البشر إلى كتلة تؤسِّس لميثاق شعبي هو ضرورة اتِّفاق اللبنانيِّين على نقطتين: ضرورة المقاومة لحماية وجود لبنان المادي، وضرورة إلغاء النظام الطائفي لحماية وجود لبنان النفسي. هل تستطيع هذه القوى الشعبيَّة أن تنقلب على نفسها ومفاهيمها الطائفيَّة لتؤسِّس ميثاقًا وطنيًّا جديدًا ينبذ الطائفيَّة؟ ممكن إذا توفَّرت القيادة لذلك. وهو الشرط الضروري الثالث. هل هذه القيادة متوفِّرة؟ في رأينا، أن بعضها، ممثل بالأحزاب العلمانية موجود اليوم بالإمكانية أكثر من الفعل. عمليًا، خير من يعبِّر عنها اليوم ويعمل لاستنهاض قوى شعبيَّة تلتف حولها هو الرئيس سليم الحص.

نعتقد أنَّ الموضوع الذي طرقه الأستاذ صايغ مهمٌّ للغاية، ولكن معالجته لا تكون بشتم العلمانيِّين لأنَّهم شتموا الطائفيِّين. بل بدراسة أسباب الفشل وكيفية تجاوزه. المسؤوليَّة عن الفشل عامة ولكنها تقع أكثر ما تقع على قادة الأحزاب العلمانية، لا سيما المثقفين منهم. صراخ اليوم، لا ينفي المسؤوليَّة عن تقصير الأمس.

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)