أنا أذكر حالة الرضى التي روى فيها يهود أميركيون كثيرون قبل عشرات السنين لصحافي اسرائيلي بأنه عندما يحدثهم جيرانهم المسيحيون عن اسرائيل فإنهم يطلقون عليها اسم “بلادكم القديمة”. هذا كان نوعاً من التعبير عن إسهام إقامة دولة اسرائيل في التطبيع الذي طرأ على مكانة اليهودي الأميركي. إيطاليا هي “البلاد القديمة” للأميركي الايطالي، وبولندا للبولندي وايرلندا للايرلندي. والآن اسرائيل لليهودي. في ذلك الحين لم يكونوا يتحدثون بعد ـ ربما باستثناء بعض أعضاء “المجلس الأميركي من أجل اليهودية” المناهض للصهيونية ـ عن “ازدواجية الولاء”. هنا وهناك ساد شعور بالذنب لعدم النجاح في انقاذ جزء من الستة ملايين ضحية الذين قضوا في الكارثة، إلا أن يهودية أميركا ما زالت مشغولة، بالأساس، في إزالة ما تبقى من القيود اللاسامية الاجتماعية.

منذ ذلك الحين تحسنت مكانة اليهود في أميركا وفي أغلبية أرجاء العالم الغربي. اليوم يمكن القول إن وضعهم لم يكن أبداً أفضل مما هو عليه منذ الألفي عام الماضية “باستثناء فترة العصر الذهبي في إسبانيا”، ولكن المفارقة الأكبر تكمن أيضاً في أن المخاطر التي تحيق بمستقبل الشعب اليهودي هي من أكبر المخاطر في تاريخه. يبدو أن هناك علاقة بين الأمرين. ليس هناك اليوم في العالم الغربي مهنة “حتى كبير الأساقفة” ليست مفتوحة أمام اليهودي. من المناسب أن نذكر أن مجالات بأكملها حتى في الولايات المتحدة نفسها كانت ممنوعة على اليهود إلى ما قبل خمسين عاماً: مسؤولية البنوك الكبرى، الجامعات من الطراز الدول، الصناعات الثقيلة، النوادي الاجتماعية المختارة ضمت إلى صفوفها يهودياً أو اثنين حتى لا يقال إنها لاسامية. الوضع كان مشابهاً بهذه الدرجة أو تلك في غرب أوروبا الديموقراطية وفي وسطها.

الوضع اليوم أصبح مغايراً تماماً. فاليهود موجودون في الصف الأول في الاقتصاد والصناعة والمهن الحرة. الطلاب اليهود مطلوبون وعلاماتهم من أعلى العلامات في المؤسسات الأكاديمية. عدد الحائزين على جائزة نوبل من اليهود أكبر بكثير من نسبتهم في أوساط السكان عموماً أو في أوساط علماء المعرفة والثقافة. في الولايات المتحدة نشأ “مجال جديد” في علم الاجتماع والتاريخ يدرس سبب وجود، سابقاً وحاضراً، وزن وتأثير هائل لليهود على الحياة الروحية والعلمية في أميركا. وهذا الأمر لم يكن سراً، أنه وقبل قضية “جاسوس البنتاغون” واللوبي الأميركي الاسرائيلي “ايباك”، ثمة لمجموعات الضغط اليهودية تأثير على سياسة الادارة الأميركية تجاه اسرائيل، وأن هذا التأثير يتجاوز كثيراً وزنهم في أوساط الناخبين الأميركيين.

ولكن في هذه السماء الصافية بدأت تظهر بعض السحب في الآونة الأخيرة، التي بدأت تقلق الزعامة اليهودية جداً ـ رغم أن اسرائيل ومواطنيها لا يدركون ذلك تقريباً. من الممكن أن نصنف هذه المجريات السلبية بأربع مجموعات. أولاً، هنالك مؤشرات كثيرة في أننا ندخل في عهد التعصب الديني، ليس فقط في العالم الاسلامي وانما أيضاً في العالم المسيحي واليهودي، ثانياً، اللاسامية القديمة التي لم يتم القضاء عليها مع سقوط النازية وانهيار الاتحاد السوفياتي ـ بدأت ترفع رأسها من جديد وتجد لها حلفاء جدداً في دوائر اليسار الليبرالي. ثالثاً، التغيرات الديموغرافية والاجتماعية الطارئة على شعب اسرائيل تتسبب في ضعفه المتزايد. وأخيراً، هناك خوف من أننا نقترب من فترة انحطاط في الإبداع المذهل الذي تميز به اليهود في القرن العشرين.

التعصب الاسلامي قد يهدد أمن الدولة اليهودية بصورة مباشرة، ويهدد علاقات العالم مع اسرائيل والجالية اليهودية في الشتات. في الوقت الذي يبرز فيه التطرف الاسلامي بصورة لاسامية حاسمة، يسير التشدد الديني المسيحي في اتجاه ذي رأسين. في العالم البروتستانتي في أوروبا وأميركا يتعمق الشرخ بين الكنائس الليبرالية وبين الكنائس الأصولية المؤيدة لاسرائيل. في الكنائس الليبرالية ينتشر اتجاه بفرض المقاطعة الاقتصادية على اسرائيل بسبب الاحتلال. هذه المسألة تحوّلت إلى نقطة احتكاك جديدة بين المعسكرين البروتستنتيين وكذلك بين الكنائس الليبرالية والجاليات اليهودية في تلك الدول.

ثمة مغزى خاص أيضاً لحقيقة أن الخلافات داخل المسيحية ـ التي هي تيولوجية “لاهوتية” في مصدرها ـ تنضم إلى الصراع اليهودي ـ الفلسطيني، الأمر الذي يمس صورة اسرائيل الأخلاقية. في الوقت الذي يعتبر فيه الأصوليون نجاحات اسرائيل مقدمة لعودة المسيح المخلص، يعتبر ليبراليون غير قليلين الممارسات في المناطق الفلسطينية تعبيراً عن الشر اليهودي. بالاضافة إلى ذلك قد تؤدي المحاولات الأخيرة للجسر بين الكنائس الليبرالية وبين الكنائس الأصولية إلى حدوث تسويات من جانب الأصوليين أيضاً.

في العالم الكاثوليكي نحن نقف على رأس اختبارين اثنين: المجابهة بين الطوائف المسيحية والاسلامية في العالم الثالث والتأثير بعيد المدى لـ“مجلس الفاتيكان” ـ والخطوات والتصريحات المؤيدة لليهود التي أقدم عليها البابا الراحل يوحنا بولس الثاني. هنا يتوجب أن نذكر المواجهات اليهودية ـ المسيحية في مسائل راهنة ومحلية من الحرب ضد فيلم “عذاب المسيح” حتى قضية الصراع ضد عادة الصلاة العلنية في الأكاديميات العسكرية الأميركية. هذه الأمور وغيرها تثير التساؤل بشأن المكان الذي يمر منه الخط الرفيع الفاصل بين إسهام اليهود المعتبر في مبدأ فصل الدين عن الدولة وبين ما يبدأ مسيحيون كثيرون برؤيته كمحاولة لزعزعة الأركان المسيحية في المجتمع الغربي.

التغيّرات الديموغرافية في العالم الغربي ذات أهمية هائلة بالنسبة لاسرائيل واليهود في الشتات، وذلك لسببين اثنين: من جهة أولى، التراجع المتسارع في معدلات الولادة، وخصوصاً في غرب أوروبا، يتسبب في تناقص الأيدي العاملة المتزايد. هذا يشجع الهجرة الجماعية ويوفر تبريراً لها والتي تعتبر، في جزئها الأكبر اسلامية. هذه الحركة السكانية توجد تأثيراً اسلامياً على السياسة الداخلية في دول غرب أوروبا والتي تنعكس أيضاً في سياستها الخارجية تجاه اسرائيل. من جهة أخرى تتسبب الهجرة الاسلامية في أحداث لاسامية مباشرة أو بالتعاون مع أطراف محلية من النازيين الجدد.

العامل السلبي الآخر هو الهبوط المرتسم في حجم الإسهام الروحي والعلمي اليهودي في الثقافة العالمية. لا شك في أن الإسهام اليهودي الثقافي ما زال ذا وزن كبير يكرس مكانة اليهود القوية في المجتمع والسياسة في الشتات ـ وأيضاً في رغبة الكثيرين منهم في أن يبقوا يهوداً. ولكن من الواضح جداً اليوم أن فترة الاينشتاينيين والفرويديين في القرن العشرين كانت ناتجة عن التقاء استثنائي: تراكم الدراسة اليهودية طوال ألفي عام مع ثورة التحرر الكبرى لدى القوميات في أواخر القرن التاسع عشر. ليس واضحاً كم من الوقت سيعمل هذا الدافع المتميز خلال القرن الحالي أيضاً.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)