دعا الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، في ختام لقائه بالرئيس السوري بشار الأسد في دمشق أمس، إلى “تفاهم سياسي” بين سوريا ولبنان، مؤكدا على اهتمام الجانبين بأن تكون العلاقة بينهما “قوية وبناءة”.

في هذا الوقت، قالت مصادر سورية رفيعة المستوى، ل“السفير”، تعليقا على الإجراءات السورية المتشددة تجاه لبنان في الآونة الأخيرة، إن دمشق «تنحو في معاملتها الآن مع لبنان إلى التعامل الذي يمكن أن يتم بين أي دولة وأخرى».

وأضافت المصادر أن دمشق الآن «تهتم بمصلحتها بالمرحلة الأولى»، مشيرة إلى أن العلاقة مع لبنان تخضع الآن لمعيار دقيق يتعلق بمدى ملائمة التوجه السياسي والمزاج العام اللبناني تجاه سوريا، وأن دمشق «لا تقبل بالكلام فقط عن الرغبة في علاقة استراتيجية مع سوريا، وإنما تريد أن ترى ذلك على أرض الواقع». وأوضحت أن سوريا قررت، لهذا الغرض، أن تكون سياستها تجاه بيروت وفق التعامل من “دولة لدولة”، وذلك بما يعنيه من وقف كل الامتيازات التي كان لبنان يحصل عليها في العقود الماضية «كالكهرباء المجانية، والغاز المدعوم وغيرهما من جوانب المعاملة الخاصة».

وكان لافتا في هذا الإطار ما أعلنته وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل ديالا حاج عارف بأن سوريا تقدمت إلى الحكومة اللبنانية بقوائم تفصيلية تتضمن معلومات عن العمال السوريين الذين قتلوا في لبنان كإجراء أولي للمطالبة بحقوقهم.

وقالت عارف، في حديث لصحيفة “الاقتصادية” الخاصة، إن الوزارة تقدمت «بلوائح تتضمن أدق التفاصيل المتعلقة بكل مواطن قتل، وتشمل الاسم وطريقة القتل والمنفذ الحدودي الذي تم العبور منه، وساعة المغادرة والمرافقين». وأضافت أن دمشق طلبت «من نقابات العمال واتحاداتها وفروعها موافاتها بأي شكوى تتعلق بإهانة أو ضرب تعرض له عامل سوري في لبنان»، مشيرة إلى أن الجانب السوري بانتظار تشكيل الحكومة اللبنانية لطرح هذا الموضوع بشكل رسمي. وفي السياق، ذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا” أن حافلتي ركاب سوريتين تعرضتا أمس الأول للرشق بالحجارة من قبل شبان لبنانيين في منطقة المنية اللبنانية، وهو ما أدى إلى تكسير نوافذ الحافلتين. وهذه هي المرة الرابعة التي تتعرض فيها حافلة سياحية للهجوم بالحجارة في لبنان، حسب ما أوضحت “سانا”.

ومن اللافت على هذا الصعيد أن الإعلام الرسمي السوري غالبا ما تجاهل الإشارة إلى نوع كهذا من الحوادث، بما فيها تعرض عمال سوريين للقتل في لبنان، وهو ما يعكس أيضا سياسة سورية راهنة أيضا. من جهة أخرى، نفى مسؤول في الجمارك السورية أن يكون قد حصل اشتباك لإطلاق النار بين عناصر حدودية لبنانية وسورية. وقال ل“السفير”، إن ما جرى على الحدود اللبنانية السورية جرى على الجانب اللبناني منها ولا علاقة لسوريا به.

وكانت وكالة “أسوشييتد برس” نقلت في وقت سابق عن عنصر جمارك لبناني قوله إن الشرطة اللبنانية تبادلت إطلاق نار مع مهربين في منطقة القاع قرب الحدود مع سوريا في منطقة ليست مرسمة بشكل جيد. وأوضح أن المهربين كانوا في طريقهم من سوريا عندما شاهدتهم دورية جمارك، مشيرا الى إصابة ضابط لبناني بجروح وهروب المهربين الى سوريا. وقال العنصر نفسه إن دورية حدودية سورية أطلقت النيران باتجاه عناصر الحدود الجمركية.

أما في ما يتعلق باعتقال الصيادين اللبنانيين، فقالت مصادر سورية ل“السفير” أمس إن التوجه كان نحو الإفراج عنهم قريبا. موسى في دمشق وبالنسبة إلى زيارة عمرو موسى إلى دمشق، كان لافتا أن “سانا” لم تشر إلى أنه تم بحث الموضوع اللبناني خلال لقائه بالأسد، مكتفية بالقول إن الطرفين تطرقا في حديثهما إلى «الأوضاع على الساحة العربية والمستجدات الاقليمية والدولية والمخاطر التي تواجه عروبة العراق والأوضاع على الساحة الفلسطينية». لكن مصادر سورية مطلعة قالت ل“السفير” إن موسى طرح الموضوع اللبناني خلال لقائه بالأسد إلا أنها استبعدت أي تقدم على هذا الملف قبل تشكيل الحكومة اللبنانية، وعودة الحوار المباشر بين الطرفين.

أما موسى، الذي يزور دمشق لترؤس اجتماعات لجنة التنسيق العليا للعمل العربي المشترك، فقال من جهته، ردا على سؤال ل“السفير”، إنه تطرق والرئيس السوري إلى الموضوع اللبناني «من منطلق الاهتمام المشترك لبنانيا وسوريا بعلاقة قوية بناءة، وهي طبيعية أن يكون هناك علاقة متينة بين سوريا ولبنان من كافة الجوانب». وأضاف موسى أنه «ليس معنى خروج القوات السورية من لبنان انتهاء العلاقة السورية اللبنانية، والعلاقة لا تحتاج إلى وجود سوري في لبنان، وإنما تحتاج إلى تفاهم سياسي والتسليم بأن هناك مصلحة مشتركة في الحياة معا والتفاهم وسوريا». وتابع «و ما زال الوضع في لبنان في طور التشكيل وان النظرة الاستراتيجية والعلاقة اللبنانية السورية تظلان محلا للاهتمام بين الجانبين وبالتالي هما محل اهتمام عربي».

وأعرب موسى عن أمله في أن تتطور هذه العلاقة. وقال «أثق بأن هذه العلاقة ستتطور على المسار الإيجابي وهذا أمر ضروري». ونفى موسى أن يكون لديه نية لزيارة لبنان قبل انتهاء مشاروات تشكيل الحكومة. وأوضح «سأزور لبنان بعد تشكيل الوزارة وليس قبلها».

واجتمع موسى، الذي زار أمس الأول السعودية حيث التقى بولي العهد الأمير عبد الله، مع الشرع لاحقا على انفراد. إلى ذلك، أجرى الرئيس المصري حسني مبارك اتصالاً هاتفياً أمس بالرئيس السوري تناول فيه الزعيمان مجمل الوضع العربي ومستجدات الوضع الراهن على الساحة اللبنانية. وفي سياق مواز، بحثت القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية خلال اجتماعها أمس برئاسة الأسد الأوضاع العربية والإقليمية والدولية وتطوراتها خاصة في العراق والأراضي الفلسطينية المحتلة وفي لبنان.

مصادر
السفير (لبنان)