يبدو أن وقع و أثر رفض الدستور الأوروبي في كل من فرنسا و هولندا، و حبل الرافضين يبدو أنه ما يزال على الجرار، لم تثني القيادات و الزعامات الأوروبية عن الإهتمام بالملف الساخن شرق أوسطيا في هذه الأيام، أي ملف العلاقات السورية اللبنانية، و تطوراتها الدراماتيكية الأخيرة على خلفية الصعوبات و الأزمات المتلاحقة بين البلدين المتجاورين بالحدود و المتداخلين بالمصالح و المشتركات التي خلفتها وجود القوات السورية و إستخباراتها في لبنان لأكثر من عقدين و نيف. فهاهي أوروبا تمسك بالطرف الأخر من الحبل و تشدد من ضغوطاتها على القيادة السورية بعد أن كان الملف مكفولا أمريكياً، على الأقل، في فترة مشاحنات الرأي العام الشعبي و الرسمي في العالم على خلفية مشهد ماقبل الحرب الأمريكية في العراق. هذا يعني أن طرفا الحبل أصبحا مشدودان الى درجة أن الرئيس بشار الأسد يجد نفسه في ورطة قلما لها نظير و الكوابيس التي تلازم مناماته أصبحت مزعجة و تثير القلق على مصير حكمه.

القلق السوري في مكانه و الكوابيس التي تلازم الرئيس و أركان حكمه مشروعة و لها أسبابها و مبرراتها. هاهم القادة الأوروبيون يعقدون لسيادته إجتماعا وزاريا في بروكسل، و متى؟ في موسم العطلة الصيفية التي يحرص سيدات أوروبا على تمضيتها مع أزواجهم بعيداً عن رتابة العمل السياسي و زحمة المفكرة اليومية العامرة بالمشاكل، إلا أن مشكلة عن مشكلة تفرق و تتميز و هاهم يتزاحمون في بروكسل و يعيدون تقييم المرحلة المنصرمة بعد إنسحاب القوات السورية من لبنان في نهاية نيسان الماضي. يبدو أن المبعوث الأوروبي رود لارسن قد أرسل إشعاعات غير مرئية الى قادة أوروبا يحذرهم من بقاء الطيف السوري في لبنان و أثره على أمنه و إستقراره، بل على أمن و إستقرار المنطقة برمتها. فالواقع اللبناني، الذي افرزه نتائج و تداعيات إغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري و المظاهرات المليونية التي طالبت بالكشف عن الجناة و احترام سيادة لبنان و إستقلاله، أثمرت عن القرار الدولي 1559 الذي مهد للإنسحاب السوري، لم يحرك ساكنا حتى الآن بانتظار تشكيل السنيورة حكومته و إنقاذ البلاد من الفراغ السياسي المترتب على تنفيذ هذا الإستحقاق الذي أفرزه الفوز الكاسح لقوى المعارضة اللبنانية في الإنتخابات البرلمانية لمجلس النواب.

أوروبا و من خلفها أمريكا تتحسس الأيادي السورية في لبنان و لعل إغتيال وزير الدفاع اللبناني إلياس المر، صهر الرئيس إميل لحود، بعد جورج حاوي قد ثبتت الأصابع الموجهة بالإتهام الى الأجهزة الأمنية السورية أو عملائها في كل من الأتحاد الأوروبي و البيت الأبيض على السواء معتبرة ذلك محاولة سورية لخلط الأوراق في مسعى لدحض الإتهامات الموجهة إليها على إعتبار أن الوزير المر من الموالين و محاولة لإيهام الرأي العام بأن سوريا لا تستهدف لبنان بقد ما هي مستهدفة و هي تحاول بذلك، بالمنطق الأمني المعروف عنها، أن تضرب عصفورين بحجر واحد، أي إزالة الشكوك حولها في إستهداف الشخصيات اللبنانية المؤثرة من جهة، و تحفيف الضغظ الأوروبي و الأمريكي عليها من جهة أخرى و هو ما لم تفلح فيها كليا على ضوء النتائج التي تمخضت عنها إجتماع بروكسل حتى الآن.

و ما يزيد في الطين بلة، كما يقولون عادة، هو أن الأوروبيين إتحدوا في سقف المطالب الأمريكية المعروفة من سوريا. فإجتماع بروكسل طالب سوريا بكل وضوح بالتوقف عن دعم الفصائل الفلسطينية الراديكالية و ذلك قبل إنسحاب إسرائيل من غزة في الأسابيع القادمة و تفكيك مستوطناتها هناك، كما دع لبنان الى نزع أسلحة المليشيات و فرض سيادة الدولة و هيبة مؤسساتها على كامل التراب اللبناني في إشارة الى سلاح حزب الله الحليف لسوريا. و لتأمين أكبر غطاء دولي للموقف الأوروبي لم ينسى القادة الأوروبيون تذكير القيادة السورية بقضية أمن و إستقرار العراق و ضرورة مساهمة السوريين على حماية الحدود و منع تسلل الإرهابيين عبر أراضيها الى العراق.

إذاً، العمق الذي كان يشكل في أحيان كثيرة، و هي أوروبا بالطبع، لسوريا مجالاً لممارسة لعبة الدبلوماسية القائمة على الإستفادة من التناقضات الدولية و تصادم المصالح الإستراتيجية في العالم بين القوى العظمى، قد زال و اختفى. فهناك من يدفع الأسد من العمق الى السطح ليتقاذفه أمريكا و أوروبا فيما بينهم في إنتظار ما يستطيع تلبيته من المطالب و الشروط.

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)