«كلهم يرسم سلوكه الحاضر بناء على الموقع الذي يمكن ان يحصل عليه في عراق الغد» هكذا يعلق خبير سياسي غربي على مواقف الزعماء السياسيين العراقيين المنضوين تحت لواء المقاومة، او على الاقل غير المنضويين تحت لواء الحكم الحالي. بل وعلى الاختلافات والمنافسات القائمة بين هؤلاء.

اخطر ما في هذه العبارة انها تتضمن ان عراق الغد هو شيء اخر غير عراق الاحتلال والحكم الحالي. وان مصير هذا الوضع ايل الى نهاية بعدت ام قصرت.

حقيقة يبدو واضحا ان من يدركها ليس هذا المحلل وحده وانما اطراف متناقضة ابعد التناقض، تعيش معركتها الحالية على ارض الرافدين وبدم العراقيين وثرواتهم.

طبيعي ان يكون اول هذه الاطراف هي جماعات المقاومة العراقية بتعدد اطيافها، اطياف لا يخلو بعضها من مكامن خطورة كبرى على هذا المستقبل. وطبيعي ايضا ان يكون الطرف الثاني هو القوى الدولية المتعددة التي يهيئ كل منها موطىء قدمه في بلاد الخير الذي لا ينضب. لكن ما بات الان واضحا هوان الاحتلال نفسه اصبح واعيا لهذه الحقيقة، وان ذلك الوعي انتقل الى رعب كبير يلم باطراف المتعاونين معه، وعلى رأسهم الحكومة العراقية الحالية.

رهانات يتعاظم حجمها ليبلغ حجم مستقبل السياسة الدولية كلها. فالولايات المتحدة تعيش من بغداد، الرهان على استمرار امبراطوريتها. ومصير حلفائها لن يكون الا نتيجة لذلك الرهان. اما اوروبا العجوز الماكرة فتلعب اوراقها على اكثر من طاولة. لا تقطع حبالها مع الاميركيين، وفي الوقت ذاته تمد عبر قنواتها السرية حبال علاقات مع زعماء وقادة عراقيين، عشائريين، دينيين، وحزبيين تتوقع لهم دورا في المستقبل السياسي للعراق.

لكن ما تريده العجوز صعب ن فهي من جهة لا تريد ان يعود الى حكم بغداد «صدام حسين ثان» وفق تعبير احد مسؤولي بروكسل، ولا تريد ايضا حكما اسلاميا متشددا، ولا حكما تابعا كليا لاميركا. هذا في حين لا تبدي، في كواليسها اعتراضا على حكم عسكري، وتقيم علاقات قوية مع هيئة علماء المسلمين والتيار السلفي والتيار الصدري. اذن وبحسبة بسيطة: المرفوض هو الخط القومي، والاسلام الاصولي المتطرف الارهابي، والامركة المطلقة. وبالطبع استمرار العداء لاسرائيل. انتقالا الى الجانب الاميركي، تتغير الاولويات، فالمحافظون الجدد، وبالرغم من كل المظاهر، لا يضيرهم ابدا وجود الاسلام المتطرف الارهابي، فهو حليفهم النقيض، ومبرر وجودهم وسياساتهم. ولا يضيرهم بالطبع المؤيدون لهم، لكنهم، وبحسب المراحل، يحتاجون الى بعض هؤلاء المؤيدين دون البعض الاخر. هذا في حين يلتقون مع الاخرين على رفض القوميين المعادين لاسرائيل، حيث يظل هذا العداء المعيار الاساسي للسياسة الاحتلالية في العراق. في اجواء هذه المعادلات، يعيش الحكم العراقي معركة حياة او موت، ويعرف ان امانه الوحيد هو التعلق المطلق بالتنورة الاميركية، لكنه يعرف ايضا ان ذيل هذه التنورة اخذ في التمزق، ومن هنا ياتي التوازي الدائم بين اطلاق العمليات العسكرية التي يتفنن الابداع اللغوي في ابتكار اسمائها “حتى اصبحت تشكل قاموسا كاملا”، وبين اطلاق الاتهامات بحق الدول المجاورة، وطبعا تأتي سوريا في المفدمة.

غير ان البدعة الجديدة في تصريحات بيان جبر الاخيرة انه لم يكتف باتهام سوريا حكومة وشعبا، بل انتقل الى اتهام الشعب الاردني دون حكومته.

لكان هذا الرجل الذي حيته رابطة الدفاع اليهودية في بيان لها وزع عشرات المرات على الانترنت، كأحد حلفائها، واعطته مع ثلاثة اخرين، لقب صانع الحرية، يصرخ مرتين : مرة يصرخ مستعديا العالم على سوريا لانها تدعم المقاومة، ومرة يصرخ مستعديا العالم والحكومة على الشعب الاردني، وما صرخته في الواقع الا صرخة استغاثة يائسة تعبر عن العجز الذي يقود الى القاء اللوم على الاخرين. يأس يتعاضد عليه تنامي المقاومة في الداخل، وتقاعس المجتمع الدولي من الخارج. تقاعس ليس ادل عليه من حجم المبلغ الذي قررت الدول المانحة صرفه: خمسمئة مليون دولار من اصل ستة وثلاثين مليارا تقررت نظريا.

اهو الاحساس بعدم جدوى دعم وضع ميؤوس منه؟ ام هو موقف طبيعي بعد اتضاح حجم الفساد الهائل؟ ام انها سياسة تخفي ما هو اخطر؟

مصادر
الدستور (الأردن)