لا يعلم أحد الى أين ستؤدي المسيرة الحاشدة نحو غوش قطيف، فهل سيكون هذا بدء تمرد على المملكة، أو سينتهي الى نضال يائس لتغيير وجه التاريخ؟ ثمة امر واحد مؤكد: لا يدور الحديث هنا عن احتجاج فحسب، بل عن محاولة لإرغام الحكومة على التنازل عن تنفيذ قرار الكنيست. يحسن ان نفحص ما الذي سيحدث اذا ما كانت يد معارضي فك الارتباط هي العليا، وتراجعت اسرائيل عن الانسحاب. ستسقط الحكومة وستحصل انتخابات سيخسر فيها اليمين الممزق السلطة. سيزداد الارهاب ليكون ذا أبعاد لم نعرف مثلها قط. ستقصف مستوطنات غوش قطيف ومستوطنات أخرى داخل الخط الاخضر، مثل سديروت بلا انقطاع بصواريخ القسام وقذائف الهاون. ستتجدد الانتفاضة بكامل قوتها. سيعود المنتحرون الى اماكننا. سيزيد الجيش وجوده في غوش قطيف. سيجنذ جنود احتياط آخرون، ستجدد قوات الأمن عمليات التصفية المركزة. سيهاجم سلاح الجو مباني في القطاع. ستنحل سلطة ابو مازن وستسود الفوضى في المناطق الفلسطينية حيث ستكون يد حماس هي العليا، لان حماس قد استشرفت المستقبل. ستعرض وسائل الاعلام في العالم حكومة اسرائيل كسلطة يجب عدم الاعتماد عليها. سيندد الرأي العام العالمي بإسرائيل كساعية الى الحرب، تشكل خطراً حقيقياً على السلام في منطقتنا. سيمارس الاتحاد الاوروبي على اسرائيل عقوبات اقتصادية ويجمد اتفاقات الاتصالات التي منحتنا موطئ قدم في مؤسسات الاتحاد.

سينظم اليسار الأوروبي، بمساعدة الروابط المهنية، مقاطعات لتصدير البطاطا والافوكادو وغيرها. لن تجري بعد ذلك في اسرائيل مؤتمرات دولية لأطباء الأسنان ولمعاهد المعايير الدولية، وستفصل الأكاديميا في الغرب صلاتها بجامعة التخنيون وبالجامعة العبرية. ولن يتلقى التصدير وحده ضربة قاسية، بل ان السياحة ستعود ايضا الى الحضيض. وبدل النمو سيأتي الركود، البطالة ستزداد والعجز سيتجدد. وسيتفاقم وضع الاقتصاد الاسرائيلي ما سيدفع الكثيرين للشعور باليأس ومغادرة البلاد.

سينظر الرئيس بوش الى إلغاء الانسحاب كمس شخصي به، وإضرار بمكانته، وباستراتيجيته نحو العالم العربي، حتى ان الكونغرس سيدير ظهره الى اسرائيل. وفي المرة الأولى منذ سنوات سيندد الاعلام الاميركي والجمهور في الولايات المتحدة باسرائيل، كمسؤولة عن اساءة الوضع في منطقتنا.

مع كل ذلك يمكن العيش. كنا معزولين في الماضي، خبرنا أزمات، عانينا الارهاب ولم نحطم. لكن هناك شيئا واحدا لم يكن قط، وهو أخطر من كل التنديدات والمقاطعات وصواريخ القسام والمنتحرين. وهو شيء يعرض وجود اسرائيل كدولة ديموقراطية للخطر. هذا الشيء هو: اذا ما تراجعت الحكومة عن فك الارتباط تحت ضغط الشارع، فستكف اسرائيل عن ان تكون دولة قانون. هذا هو الموضوع على كفتي الميزان.

لمعارضي الانسحاب حق الاحتجاج، ما لم يصبح محاولة عنيفة لمنع السلطة من تحقيق قرارات الكنيست. يجب الانصياع للقانون كما قضى حكماؤنا الماضون. ان ما ادركه آباؤنا في الماضي السحيق، لا يريد حاخامات المستوطنين اليوم ادراكه: وهو ان استعمال اسم الله لا يمنحهم حقا في نقض قوانين الدولة. في تاريخ الانسانية نفذ من الجرائم باسم الله اكثر مما نفذ باسم الشيطان. والله ليس مذنبا في ذلك، المذنبون هم رجال الدين، الذين يستعملون اسم الله عبثاً، عندما يحرضون على نقض القانون، وخاصة عندما يحرضون الجنود على رفض الامر العكسري، فإنهم يضعون انفسهم خارج القانون، وفوق القانون، وقد حان الوقت لمحاكمتهم. اذا ما سمح اليوم لجمهور، حرضه حاخامات متطرفون، ان يمنع تنفيذ قرار الكنيست بالقوة، فستستطيع في الغد جماعة من الضباط ان تقرر ان عليها تنفيذ انقلاب عسكري لمنع الحكومة من فعل يعرض مستقبل الدولة للخطر.

مصادر
معاريف (الدولة العبرية)