لم يكن احد من الرؤساء أو الوزراء يتوقع أن يبدأ اليوم الأول للحكومة الأولى لمجلس “فيدرالية الطوائف” ببند من خارج جدول الأعمال المفترض. ولم يكن بمقدور احد من هؤلاء حجب ما أعلنه رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ديتليف ميليس حول اعتبار قائد الحرس الجمهوري العميد مصطفى حمدان مشتبها به في التحقيقات التي يجريها. والتي تشمل عدة أبواب من المكان الذي يسعى للحصول فيه على حقيقة من قتل الرئيس رفيق الحريري. وجاء هذا الكلام ليرخي بظله على المداولات الرسمية وغير الرسمية في القصر الجمهوري عند التقاط الصورة التذكارية للحكومة الجديدة وفي مجلس الوزراء، حيث تحدث الرئيس اميل لحود عن الامر من باب انه يجب ألا يحجب الاهتمام بالاولويات الاقتصادية والسياسية والمعيشية التي تهم المواطنين استمرار مواكبة عمل لجنة التحقيق الدولية.

واذا كان لحود وفريقه قد تنفسا الصعداء في وقت سابق ومن خلال ميليس نفسه الذي ثبت نتائج التحقيقات اللبنانية الاولية في كيفية حصول الجريمة، فهو شعر بضغط معنوي كبير عند لجوء ميليس نفسه الى الاشارة بالاسم الى العميد حمدان الذي يعتبره الجميع مساعدا لرئيس الجمهورية وليس قائد حرسه فقط. وفتح التصريح سيلا من الاسئلة حول سبب إصرار القاضي الالماني على الادلاء بتصريحات صحافية في ملف قيد البحث، وتوقيت نشر التصريحات هذه ومكان نشرها. حيث يبدو ان القاضي الالماني يختار وسائل اعلام غربية لاجل الحديث عن التحقيق، ويختار توقيتا يصعب اعتباره مصادفة مع أحداث لبنانية بارزة. حتى قال كثيرون ان ميليس الذي أعلن عشية انتخابات الشمال ان الحريري قتل بسيارة مفخخة وبانفجار من فوق الارض ما ادى الى “احباط” غير مفهوم لدى اوساط الفريق المتهم لسوريا والاجهزة الامنية اللبنانية بالمسؤولية عن الجريمة، عمد امس الى تحقيق التوازن من خلال الاشارة الى حمدان ولو على سبيل اعتباره مشتبها به في أمر فرعي من التحقيقات ويتعلق بقرار فتح الطريق وإزالة آثار الجريمة.

لكن اللافت في الامر ان ميليس الذي سمح للصحافي الفرنسي بنسب جمل عدة له مباشرة من بينها الإشارة إلى حمدان ونيته الاستماع الى الرئيس السابق للامن السوري في لبنان رستم غزالة، اتاح للصحافي نفسه الاطلاع على جزء من ملفات التحقيق، وترك إليه أمر الحديث عن وجود انتحاري كان في السيارة التي اصطدمت بموكب الحريري يوم الرابع عشر من شباط، اضافة الى تفاصيل اخرى يعرفها جميع المعنيين في لبنان وحشد كبير من السياسيين والإعلاميين. لكن الحرم السياسي والأخلاقي القائم من يومها يحول دون التداول بها رسميا او اعلاميا. وكانت “الفيغارو” قد نشرت امس تحقيقا صحافيا حول التحقيقات تضمن مقابلة قصيرة مع ميليس الذي قال: ان حمدان «مشتبه بانه اعطى الاوامر لتنظيف مسرح الجريمة وهل حصل ذلك عمدا او اهمالا أم كلاهما معا؟». وأضاف ميليس انه سينهي عمله في 15 ايلول المقبل ولا يعرف ما اذا كان سيحتاج الى تمديد الوقت، وان النتائج قد تظهر في غضون ثلاثة اشهر او سنة او ربما اكثر.

ونشرت الصحيفة الفرنسية معلومات عن التحقيقات كان أبرز ما فيها القول بان انتحاريا قاد شاحنة الميتسوبيشي وفجرها يدويا في موكب الحريري.

وادت تصريحات ميليس الى بلبلة مما دفع بدوائر القصر الجمهوري الى الاتصال بمكتب الامم المتحدة لاجل استيضاح حقيقة الامر. قبل ان يصدر المكتب بيانا يوضح فيه «ان ميليس لم يوجه اتهاما لحمدان بالمسؤولية عن الجريمة ولكنه أشار إليه كمشتبه به في أمر القرار بإزالة الآثار من مسرح الجريمة». وهو تعقيب لم يؤد الغرض الذي كان يتوقعه القصر الجمهوري.

الحكومة في هذه الاثناء كان لبنان يشهد انطلاقة الحكومة الجديدة في جلسة هي الاولى والاخيرة لها في المقر الرسمي في المتحف، وتقرر أن تعقد الجلسات لاحقا مداورة بين قصر بعبدا والسراي الكبير لاسباب امنية، واقفال مقر المتحف حتى إشعار آخر. وقد تغيب عن الجلسة الوزير الياس المر بداعي المرض، والوزير نعمة طعمه بداعي السفر. ثم جرى تأليف لجنة البيان الوزاري من وزراء يمثلون الكتل النيابية والسياسية المشاركة في الحكومة. وعقدت أول اجتماع لها بعد الظهر في مقر رئاسة مجلس الوزراء، برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة الذي توقع إنجاز البيان الوزاري يوم غد الجمعة، ليرفع الى جلسة اخرى للحكومة لاقراره قبل إحالته الى المجلس النيابي، الذي قال وزير الاعلام غازي العريضي انه سيجتمع في أقرب فرصة لمناقشة البيان ومنح الحكومة الثقة الاسبوع المقبل. موضحا ان عناوين البيان الوزاري تتناول القضايا الاصلاحية المالية والاقتصادية والادارية والعلاقة مع سوريا وحماية المقاومة والتعامل مع القرار 1559 ومعالجة قضية الاسرى والمعتقلين ومشكلات المواطنين، وان البيان سيكون مقتضبا وموجزا.

وكان اللافت ما قاله بعد الجلسة عضوا اللقاء الديموقراطي النيابي الوزيران غازي العريضي ومروان حمادة عن العلاقة مع رئيس الجمهورية، من ان مجلس الوزراء سيعمل بذهنية جديدة وأداء جديد مختلف عن الأداء الماضي لجهة احترام الدستور واتفاق الطائف. وحسب عدد من الوزراء فان البيان الوزاري سوف يؤكد على سعي لبنان الى علاقات قوية مع سوريا في كل المجالات، وعلى احترام لبنان للشرعية الدولية وقراراتها، ولكنه يؤكد على حماية المقاومة ودورها في تحرير ما تبقى من أرض لبنانية محتلة وتحرير ما تبقى من أسرى لبنانيين في السجون الإسرائيلية. كما يفترض ان يشير الى اهمية التضامن العربي في ما خص ملف الصراع العربي الاسرائيلي على أساس مبادرة بيروت التي أقرتها سابقا الجامعة العربية. الى جانب موضوعات اخرى تخص الحريات السياسية والاعلامية في لبنان وتثبيت سلطة القضاء وتحديد الصلاحيات بين السلطات والمؤسسات واحترام ما ينص عليه اتفاق الطائف والدستور في هذا المجال. كما يتضمن الاشارة إلى الملف المالي والاقتصادي والسعي الى تحقيق اصلاحات جذرية والتطرق الى ملف الخصخصة.

عون من جانبه اكد العماد ميشال عون على انه بمعارضته جمع المتخاصمين من السياسيين وأهل الحكم، لافتا إلى أن تيار “المستقبل” وجد ان من الأسهل له التعامل مع الرئيس لحود عوض الاتفاق معه. وقال ان هذه الحكومة «هي حكومة شكلية، لكن الحكومة الحقيقية غير موجودة». وأشار الى انه “سيبقى في المعارضة”.

وعن قراءته لمواقف اميركا من التشكيلة الحكومية قال: «هذه مشكلة الحكومة وانا خارج اطار البحث في القرار 1559، الذي كان لدي رأي فيه ووجهت النصائح سواء في خلال لقاءات خاصة او في خلال وسائل الاعلام. ولكنني التزم راهنا الصمت لأن على الحكومة ان تتعامل مع هذا الواقع».

وفي هذا السياق كان هناك رد من وزير الطاقة محمد فنيش على موقف الولايات المتحدة من تمثيله في الحكومة وقرار مقاطعته من قبل موظفي الادارة الاميركية، اذ قال فنيش ان «وجودنا في الحكومة أمر يخص اللبنانيين والكلام الاميركي يعبر عن انحياز السياسة الاميركية وهو شكل من أشكال الاملاءات المتعارضة مع الديموقراطية». وقال «نحن كقوة شعبية سياسية على الساحة اللبنانية الذي يعنينا هو ان نخدم مصلحة بلدنا أرادت الولايات المتحدة او انزعجت».

وفي باريس، اعلنت وزارة الخارجية الفرنسية امس، “ترحيبها”بتشكيل الحكومة و“استعدادها لتقديم الدعم” لبرنامج اصلاحاتها السياسية والاقتصادية. وقالت مساعدة المتحدث باسم الوزارة سيسيل بوزو دي بورغو للصحافيين ان «فرنسا على استعداد مع الاتحاد الاوروبي والمجتمع الدولي لتقديم الدعم للحكومة اللبنانية الجديدة في تطبيق برنامجها للاصلاحات السياسية والاقتصادية».

وفي واشنطن، وصفت وزيرة الخارجية الأميركية أمس ما حصل في لبنان بأنه “بداية إيجابية وجيدة”، مشيرة الى أنها مستعدة للتعامل مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة ولكن ليس مع أي وزير يمثل حزب الله فيها.

وقال المتحدث باسم الوزارة الأميركية، آدم ايرلي، «من الواضح أنه سيكون علينا أن نعمل في إطار القيود التي تفرضها قوانيننا. سياستنا لم تتغير. حزب الله منظمة إرهابية». وأضاف «لن يكون لنا أي اتصال بالمنظمة أو أعضاء المنظمة»، لكنه أشار الى أن وجود عضو لحزب الله في الحكومة لن يؤثر على الدعم الأميركي لها. وتابع ان القادة اللبنانيين اتفقوا على أسماء الحكومة و«هذا أمر جيد وحركة إيجابية. إنه أمر يجب أن نراه كتطور إيجابي». وفي موسكو، نقلت وكالة “نوفوستي” الروسية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية ألكسندر ياكوفينكو قوله «ان تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة يمثل خطوة هامة نحو تحقيق الاستقرار في هذه الدولة، وتسوية المشكلات التي تواجه المجتمع اللبناني وتحقيق التفاهم الوطني».

وأشار ياكوفينكو الى «أن حكومة فؤاد السنيورة تواجه مهام ليست بسيطة، منها المحافظة على الوفاق الوطني وإقامة علاقات متبادلة النفع تتفق والظروف الجديدة مع سوريا، وإجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية». وقال «نتمنى للحكومة والشعب اللبناني النجاح في تنفيذ المهام التي تتسم بأهمية مبدئية بالنسبة لتأمين المستقبل السلمي والديموقراطي لهذا البلد، ونحن مستعدون لتوسيع التعاون مع الحكومة اللبنانية لما فيه مصلحة بلدينا والسلام والأمن والتوصل الى تسوية شاملة للنزاع العربي الإسرائيلي».

مصادر
السفير (لبنان)