الحديث الذي أدلى به رئيس فريق التحقيق الدولي في قضية اغتيال الرئيس الحريري ديتليف ميليس الى جورج مالبرونو الصحافي في جريدة "الفيغارو" الفرنسية – وهو مخطوف سابق في العراق – هو قنبلة بكل المعايير يجري تفجيرها في وقت تتزايد فيه الضغوط على لبنان وعلى مساحته السياسية الداخلية، وخصوصاً من سوريا التي تتفق جميع التحليلات في الديبلوماسية الاوروبية على اعتبار مسألة التحقيق الدولي الامر الأكثر تأثيراً في سلوكها والاكثر تحكما في مجموعة من القرارات التي اتخذتها دمشق أخيراً على صعيد العلاقة بلبنان. فالتحقيق الدولي الخاضع للقرار 1559 هو مصدر التوتر الذي ينعكس اغلاقا للحدود مع لبنان من دون اي مبرر ينطوي على حد ادنى من المنطق يمكن المجتمع الدولي الاخذ به جدياً. كما ينعكس التوتر على “سلوك امني” في الساحة اللبنانية ادى حتى اليوم الى احتجاز عشرات الشخصيات السياسية والاعلامية في أسر الخوف والتحوط الاقصى مخافة التعرض لجريمة اغتيال على غرار الاغتيالات “ومحاولات الاغتيال” الاخيرة التي اعقبت تلك التي اودت بحياة الحريري “سمير قصير، جورج حاوي” والياس المر الذي لم يخف في السابق خوفه امنيا من جهة في سوريا!

اضافة الى هذين العنصرين مثلت الازمة الحكومية التي انتهت قبل يومين انعكاساً واضحاً للتوتر السوري على الساحة اللبنانية، ولم يتم تجاوزها الا بسبب ما يصفه ديبلوماسي عربي في فرنسا بعودة المجتمع الدولي الى “تسخين محركاته” من جديد في مواجهة العرقلة السورية. فمن سلسلة الاجتماعات التي شهدتها الادارة الاميركية “تحريك مجلس الامن القومي”، الى استدعاء تيري رود – لارسن من اجازته لحضور الاجتماع الاوروبي الذي حمل ادانة واضحة لما وصفه بـ“السلوك السوري” في لبنان، كانت الماكينة الدولية تتحرك على مستوى الدول العربية الكبرى “مصر، السعودية” من اجل تنسيق المواقف لابلاغ سوريا رسالة مفادها انها تحت المجهر وان “خيبة الامل” الدولية الناجمة عن عدم حصول تغيير سوري ستكون له اثمان. والآن يأتي ديتليف ميليس ليضيف الى المناخ الدولي تذكيراً لقوى اساسية في الداخل اللبناني “رئيس الجمهورية” وفي الخارج “النظام السوري” بأن ثمة قضية لم تنته بعد وهي مرشحة لان تتجه صوب آفاق لم يكن احد يتصورها قبل بضعة اشهر.

فالاشارة السلبية التي يوجهها ميليس صوب احد اقرب القريبين الى رئيس الجمهورية تستدعي تفكيراً عميقاً في العواقب الخطرة والممكنة في حال ادانة من يعتبر “ظل لحود”. في مطلق الاحوال لا يخفي ميليس خلال حديثه الى “الفيغارو” ان موقف قائد الحرس الجمهوري ليس في احسن حال! فلننتظر مع لحود لنرى! اما تأكيد ميليس انه سيحقق قريباً مع رستم غزالي فيعني ان ثمة خيوطاً لا بد للتحقيق الدولي من ان يلتقطها من داخل سوريا. وما من احد حتى الآن يستطيع ان يجزم في شكل قاطع ان التحقيق سيتوقف عند شخص غزالي وحده. هذه علامة من علامات مرحلة جديدة سندخلها وستتميز بحدة التوتر السوري، الامر الذي سيجد ترجمة امنية على الار ض اللبنانية. ونعني بالترجمة الامنية مزيداً من القتل والاغتيالات.

هكذا سيجد اللبنانيون انفسهم يسيرون في مسلك وعر وخطر في الستين يوماً المقبلة حتى الخامس عشر من ايلول، تاريخ انتهاء مهمة ميليس القابلة للتمديد ثلاثة اشهر اضافية.

المهم مما تقدم ان يتغير “السلوك السوري” مع لبنان على قاعدة ان العودة الى الوراء مستحيلة، فضلاً عن ان اللعب بالدم في “مرحلة هابطة” تشبه الدوس على البنزين على طريق شديدة الانحدار نتيجته الكارثة!

مصادر
النهار (لبنان)