"في كل الأنظمة الشمولية و منها النظام السوري لا يختلف عاقلان أن النظام قام على دعامتين وركيزتين أساسيتين لتوطيد نظام حكمه هما : 1- الإعلام 2- المخابرات.

الأول وهو الإعلام، مارس عملية تدجين و غسيل دماغ . أما أجهزة المخابرات فخوف يزلزل الأقدام . النتيجة ، شخصية سورية خائفة مشوهة مهزوزة .

في ثورة المعلوماتية و الاتصالات و زمن الفضائيات و الريمونت كونترول، استطعنا التخلص من قناة “غصبا عنك”. أما أجهزة المخابرات فتكاد، و أقول تكاد، بدأت تتقونن .

لست بحاجة إلى هذه المقدمة لولا أن السيد مهدي دخل الله وزير الإعلام، لا يريد مغادرة مواقعه، فهو قادم ليحاضر فينا عبر خطاب إعلامي تضليلي و سأستشهد لمعاليكم بمثالين فقط للتدليل على التضليل الذي مارستموه علينا و من محاضرتكم التي احتوت على أكثر من المثالين الآتيين :

السبب في عدم وجود صحف سياسية في سوريا.

انتخابات مجلس الشعب.

فيما يتعلق بعدم وجود صحف سياسية في سوريا ترجعون السبب إلى محض عملية تجارية بحتة لأن الصحف السياسية حسبما أكدتم في محاضرتكم خاسرة و لا تعود بأي عائد مادي. و هذا يا معالي الوزير تضليل لا يضاهيه تضليل آخر فأنتم تعرفون الأسباب الحقيقية في عدم وجود صحافة سياسية منذ استلام البعث السلطة. «أحزاب الجبهة الحليفة لم يسمح لها بإصدار صحفها السياسية إلا بعد العام 2000 و بعد أن تحولت إلى جثة متفسخة».

في سياق محاضرتكم تتباهون بمجلس الشعب و توردون أرقاما هي صحيحة. البعثيون لا يشكلون إلا 52% من عدد أعضاء المجلس و تشكل الفئات الأخرى بقية المجلس (يرجع السيد الوزير هذا التمثيل إلى أن هناك أحزاب كبيرة هكذا وجدت و أخرى صغيرة...!!)و هذا المثال لا يستحق حتى المناقشة فالكل يعرف كيف يتشكل ذلك المجلس."

ما تقدم أعلاه كان نص المداخلة التي تقدمت بها بعد انتهاء المحاضر السيد مهدي دخل الله من محاضرته المعنونة “الإعلام السوري واقع و آفاق” التي ألقاها يوم الخميس الواقع في 16/7/2005 على مدرج دار الأسد للثقافة في مدينة الرقة.

لست في معرض الرد على ما جاء به السيد المحاضر و إنما أردت فضح التكتيك الذي اتبعه في معرض رده على المداخلات المقدمة، كذلك الخطاب الإعلامي التضليلي اللذان وسما المحاضرة و المحاضر ، حيث اتبع معاليه اسلوب التبسيط و الاستسهال و إفراغ كل شئ من مضامينه. فالديماغوجية و محاولة استثارة الجمهور و تأليبه على كل من حاول فضح و تعرية اسلوبه و مضمون محاضرته. لقد حاول ليّ عنق الحقائق و تحييرها في خدمة سياسة عبر خطاب إعلامي لا يرى أن هناك ما يدلل إلى مغادرة الخنادق القديمة «لن نطبق الإعلام الحقيقي إلا بعد السلام !! . الكلام للسيد الوزير» و استطاب له الإعلام الصحّافي و السعيدي و إثارة الغبار بدون حتى أدنى معركة ، فالمحاضر يقول بعظمة لسانه في رده على سائل أوربي ، متى ستطوون ملف الاعتقال السياسي ؟ مجيبا : و لماذا فقط نحن ألا يوجد لديكم معتقلون سياسيون من الباسك و كورسيكا .. ؟ .

انظروا إلى التبسيط الذي كان سمة المحاضرة كما أسلفت. قد يقول السيد مهدي دخل الله في محاضرة أخرى قادمة أن حقوق الإنسان و المواطنة في فرنسا ليست أفضل بكثير عنها في سوريا !!

و في رده على سوء قانون المطبوعات يقول : كل قوانين المطبوعات في الدول العربية هكذا .!!

و في رده عن السبب في اغلاق منتدى جمال الاتاسي للحوار الديموقراطي يقول : لقد ارتكب المنتدى مخالفة قانونية صريحة و لذلك وجب إغلاقه .

أي قانون ذلك الذي يتشدق به معاليه ؟ المنتدى و منذ استلام السيد الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم في سورية ، تقدم أصولا بطلب الترخيص و لم يكترث به أحد و استمر يعقد حواراته هكذا ضمن قانون “غض الطرف” ذاك الذي ينظم العلاقة بين السلطة و كافة تيارات المجتمع السوري . ابداع سوري جديد في تشريع القوانين . “غض الطرف” "و الهراوة المرفوعة الجاهزة لتهوي على أي رأس يكبّر رأسه .

أتلمس رأسي لأن السيد الوزير و بعد أن نرفز و عصّب و بدأ العرق يتصبب على مساحة جيدة غير مزروعة في رأسه أخذ يقول متهكما و مستنكرا حديثي عن المخابرات : هل ستنام اليوم في السجن لأنك تحدثت عن المخابرات ..؟

و في ردّه على سؤال اخر من المحامي الأستاذ عبدالله الخليل عن موقف وزارته و ماذا فعلت من اجل الصحفيين المعتقلين ؟ طاش عقل السيد المحاضر و بدأ يوزع صكوك الوطنية كيفما اتفق و كيفما شاء ، و لمَ لا فالصكوك بحوزتهم فهم قيادة الدولة و المجتمع من مدحهم و أطنب في المديح ، فهو وطني و من خالفهم و عارضهم و قال لهم 1+1= 2 فهو متأمر و متعامل و يقبض من السفارات و أضاف السيد مهدي دخل الله مصادر دخل أخرى يتعيش منها كتاب المعارضة هي صحف النهار اللبنانية و القدس العربي الصادرة من لندن و السياسة الكويتية و يتقاضى كل كاتب يكتب مقالاته في تلك الصحف مبلغ 1500 دولار !!! و يقول أيضا و الشهود حوالي ال 400 انسان و ليس غريبا أن يكتبوا في اليديعوت احرانوت الاسرائيلية . عندها كان لا بد من انسحابنا من قاعة المحاضرة لأننا و بعد سيل التخوين و الاستفزاز المتعمد من السيد المحاضر أدركنا أن معاليه قد ضرب بكل أساليب و آداب الحوار عرض الحائط و خفنا أن يقيم علينا الحد و يأمر بجز رؤوسنا فـ“آثرنا الهروب” .

برهان غليون الذي تفخر به سورية و يفخر بها و نرى الغصة في حلقه عندما يتحدث عنها و عن سوء أحوالها و مابرح و في كل لقاءاته التلفزيونية يضع المخارج و الحلول لتجاوز سورية المطبات و الأفخاخ المنصوبة لها ، لا يرى فيه السيد دخل الله إلا قادم إليها ليحاضر فيها و يسب عليها أين يتسأل هو ؟ تحت كهرباء الدولة !! انظروا إلى التبسيط و الاستسهال في تناول الأمور .

السيد الوزير و بعد انتهاء مداخلتي ضبطني متلبسا و أيقن أنني الصيد السهل في رحلته الفراتية الذي سيسهل هضمه و ابتلاعه و سيألب الجمهور ضدي و سأخرج من القاعة مذموما مدحورا . تناسى كل ما ورد في مداخلتي و ركز على نقطة واحدة فقط ، «لا يتفق معي في توصيفي للنظام السوري على أنه نظام شمولي ، فهل هذا يعني أنه غير عاقل ؟».

تجاهل السيد الوزير أنني أوصّف سياسيا ولا علاقة للشخصنة فيما أقول .

لا أيها السيد الوزير - أيقنت بعد سماعي إليك -، لماذا تخسر سورية كل معاركها الإعلامية مع الخارج ؟!

لن أكلفك فوق ما تحتمل و لن أرمي فوق كاهلك بكل الرزايا و الخطايا و الحال المتردي الذي يكابد فيه السوريون، ولكن أهمسها في أذنيك همسا: أين العقل في كل ما نحن فيه؟

ما استقر عليه علم السياسة وحتى إشعار أخر، لم و لن يعمل ضمن أهوائي و أهوائك وهو وكل علوم الاجتماع وإن كان لا يرقى إلى دقة العلوم الطبيعية لكن يجب احترام ذلك المنجز البشري. كل الدول التي يهيمن عليها الحزب الواحد يوسم نظامها السياسي بالشمولية والاستبداد، والمادة الثامنة في دستور الجمهورية العربية السورية تقول: «حزب البعث (...) هو الحزب القائد في الدولة و المجتمع».

ثم إن المنطلقات النظرية لحزب البعث لا مكان فيها إلا للحزب الطليعي و الحزب القائد و الحزب الثوري. أليست هذه المفردات هي عدّة الشمولية بامتياز.؟!

المدرسة والجامعة والحقل والمعمل والنقابة والمشفى والقصر العدلي وكل مديريات الدولة قاطبة تتواجد فيها الفرق البعثية فهل سنختلف على شموليتكم، حتى خطباء المساجد يوم الجمعة يتلقون خطبهم مكتوبة جاهزة منكم.

الاقتصاد مركزي و التعليم أدخلتم إليه منطلقاتكم النظرية و تاريخ سورية يبدأ منذ عام 1970 ولا تاريخ قبل ذلك التاريخ. لولا حيائكم من الناس لقلتم أن المسجد الأموي وأوابد تدمر التاريخية هي من انجازاتكم و صنع أيديكم .

إن المواطنة وحقوق الإنسان غير معترف بهما ولم أعثر عليهما في منطلقات البعث الفكرية و النظرية، ومنظري البعث يرددون شعارات فقط عن الديموقراطية، فهي تارة حكم الجماهير و تارة حكم الشعب و تارة الديموقراطية الشعبية و الشعوب لم تعد تضللها الشعارات، الديموقراطية تعرف عن طريق آلية واضحة لممارستها تقاس بنتائجها وآلية تسمح بالتعدد في المجتمع وتعريف الحقوق كافة على أساس المواطنة لا على أساس الانتماء الحزبي، الديموقراطية تحتاج إلى ديموقراطيين، فهل خرج من مدرسة البعث ديموقراطيون حقيقيون ؟

لقد روج البعث أفكار الاستقطاب الخطيرة و السيد مهدي دخل الله تجاوز في محاضرته الأخيرة المعقول واللامعقول ولاعجب في ذلك فالبعث ما انفك ينظر إلى أصحاب الآراء الأخرى من منظور اجرامي تخويني و تحفل أدبياته بمفردات من مثل : خونة و عملاء و مناهضي أهداف الثورة و هو في دأب لا ينقطع لمسح و مسخ الأخر.

كوّن طبقات جديدة أثرت عبر الفساد و الكسب الغير المشروع، واستمدت سلطتها من طرق القمع والإرهاب، هي أخطر بما لا يقاس من أي عدو خارجي، لأنها تملك كل شئ السياسة والقوة والإعلام والاقتصاد، مكوّنة ثقافة جديدة غزت عقول الناس بدء من الأطفال في المرحلة الابتدائية عبر مناهج تعليمية حشتها بكل السفسطات المقرفة.

إن حزب البعث يفرض على أعضائه طوقا حديديا فهو يطالب عناصره بالالتزام التام بتعاليم الحزب وهذا الالتزام لا يضاهيه شمولية إلا استبداد الكنيسة في عهد محاكم التفتيش أو الالتزام الديني الذي يفرضه رجال دين اميون في عصرنا الحاضر أو التزام ستاليني نسبة إلى أحزاب الماركسية الستالينية مما يحرم عناصر الحزب من التخلص من الاستنقاع الذي يفرض عليهم فإذا بهم - ونراهم ماثلون أمامنا الآن- متخلفون عن سير الحضارة.

مصادر
موقع الرأي (سوريا)