يبدو وزير الدفاع في هذه الأيام شخصية غريبة الأطوار بعض الشيء. ذلك أن عشرات قذائف الهاون والصواريخ تتساقط يومياً على المستوطنات الإسرائيلية، ما يؤدي الى وقوع قتلى وجرحى وإلى خراب الممتلكات، بينما نسمع من شاوول موفاز التعبير البالي أنه «يعقد اجتماعاً لقادة المؤسسة الأمنية لتقدير الوضع». لكن هذا الوضع يستمر أياماً وأسابيع، فهل أن هذه المدة الزمنية لا تكفي للكف عن “تقديرات الوضع” والمباشرة في اتخاذ الأفعال؟ يقولون لنا إن الجيش الإسرائيلي دفع بقوات مدرّعة باتجاه مصادر النيران، لكن على الرغم من ذلك تستمر عمليات القصف من جانب الفلسطينيين، ثم نرى وزير الدفاع يعلن مجدداً أن إسرائيل فرضت على نفسها التحلّي بضبط النفس، لأن هناك مؤشرات على أن أبو مازن يعمل لتهدئة الوضع.

وزير الدفاع ليس وحده من يتعلق بهذا التقدير غير الدقيق. ويبدو أن رئيس الحكومة أيضاً يعتقد ذلك، وإلا ما مغزى تصريحاته المتكررة أنه “أعطى التوجيهات للمؤسسة الأمنية لاتخاذ جميع الخطوات من دون أي قيد، لضرب المخرّبين بهدف وقف موجة الإرهاب؟”، كما أن غالبية وزراء الحكومة يبدون أيضاً سلوكاً يبعث على الاستهجان. ألا يسمعون صرخة الجمهور؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا لم يسألوا رئيس الحكومة عن مصير توجيهاته التي أعطاها للمؤسسة الأمنية؟ فوزير الزراعة، إسرائيل كاتس، وجه سؤالاً منطقياً: إذا كان ثمة أوامر بالرد، فلماذا لا نرد؟

ينبع السبب، على ما يبدو، من تقدير الشاباك أن أبو مازن يعتزم قمع مشاغبي حماس والجهاد الإسلامي في غضون أيام. لكن انقضت أيام طويلة منذ أن سُمع هذا التقدير حول طاولة الحكومة من دون أن يتحقق هذا التوقع. والسؤال المطروح هو هل أن رئيس السلطة الفلسطينية قادر فعلاً على فعل ذلك؟ فمنذ انتخابه في هذا المنصب يتوقعون منه أن يضع حداً للإرهاب، كما تنص خارطة الطريق وكما وعد مرات عديدة، لكن شيئاً لم يحصل من جانبه، وأعيننا ترى أنه لا يملك أي تأثير على المنظمات المتطرفة.

سابقاً قال رئيس الحكومة إن ضبط النفس قوة. لكن الأمر ليس كذلك في الواقع القائم الآن حيث السكان اليهود يعيشون يومياً تحت النار، بينما يفسر الفلسطينيون ضبط النفس الإسرائيلي على أنه ضعف. لقد كرر شارون أنه لن يكون هناك انسحاب تحت النار. فلماذا إذا لا يهتم في أن يتم تنفيذ توجيهاته منذ الآن؟ ولماذا لا تجري محاولة اقتلاع شوكة الإرهاب قبل أن يكون الجيش الإسرائيلي منشغلاً في تنفيذ فك الارتباط؟ حتى الآن لم يُقدم شارون جواباً مقنعاً على هذه الأسئلة. هل يخشى أن يؤدي هذا الأمر الى إثارة غضب الرئيس الأميركي؟مع أنه بشّرنا عند عودته من رحلاته الى الولايات المتحدة أن الإدارة الأميركية تبدي تفهماً لردود إسرائيل على الإرهاب الفلسطيني. هل أنه يتردد في اتخاذ خطوة عسكرية عشية زيارة وزير الخارجية الأميركية الى المنطقة؟ أم أنه ثمة احتمال في أنه يخشى انهيار العملية السياسية الهشة، ذلك أن الرد العسكري المكثف ضد غزة سيقوض مكانة أبو مازن، وسيُعتبر شارون أنه المسؤول عن هذا الوضع؟ وربما لأنه يقدر أن عملية عسكرية من دون قيود من شأنها تعقيد الوضع والتسبب في إرجاء فك الارتباط، لا في إلغائها؟

سواء كانت هذه هي التوضيحات أم سواء كان لدى شارون توضيحات أخرى، من الصعب فهم سبب امتناع الحكومة عن القيام بواجبها الأول تجاه مواطنيها، ألا وهو ضمان أمن حياتهم.

مصادر
معاريف (الدولة العبرية)